رحلة أحمدالمصطفي الطالب بن طوير الجنة

عـــــرض: أحمـــد محـمّد محمود

 هو"أحمدالمصطفي الطالب بن طوير الجنة" من قبيلة (إدولحاج) في موريتانيا ومن عشيرة الصيام في القبيلة، وهو ينتمي إلي أصول جاءت إلي تيشيت من (أغمات المغربية) حسبما ذكر هو عن نفسه، ولذلك ترجم له مؤرخ المغرب الأقصي (بالمراكشي)، ويحتمل أنه فعل ذلك لخلوة أسسها (ابن طوير الجنة) في مراكش في آخر أيام رحلته، وقد ولد في القرن الثاني عشر الهجري 1145هـ في وادان بآدرار، وكانت وفاته في وادان عام 1256هـ عن أكثر من 120 عاماً.

 

  اشتهر بين الدارسين "بالواداني" وعند السلطات الإنجليزية في جبل طارق "بملك شنقيط" وعند السلطات الفرنسية إبان احتلال الجزائر بـ"المرابط".تلقى تعليمه الأولي في المدارس التقليدية في بلاده (وادان) التي ازدهرت بالعلوم العربية والإسلامية حيث كان في الشارع الرئيسي للقرية 40 عالماً يدرسون مختلف الفنون، ثم رحل إلى (تكانت) ليتتلمذ على العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم، وانقطع عنده للدراسة "فلم يزر الأهل يوماً ولم يفارق الشيخ مرة" ومنها عاد إلى قريته وادان، حيث بدأ في تدريس العلوم لطلابه قبل أن يقوم برحلته إلى الحج والتي اســتغرقت خمسة أعوام، من اليوم السابع عشر من جمادى الأولى عام 1245 إلى 1250 هـ بادئاً رحلته من (تيشيت) وإليها عاد.
وله من المؤلفات غير هذه الرحلة "كتاب في التوحيد، نظم في المنطق، فيض المنان في الرد على مبتدعة هذا الزمان، الأجوبة المفحمة الكافية ومن تعنت كل متعنت شافية".
ويعد الرحالة من القليلين من مواطنيه ممن دونوا رحلاتهم في زمانه، ولهذا اكتسبت رحلته أهمية خاصة عند الدارسين المعاصرين، ومن اللافت للنظر أن يكون الفرنسيون هم أول من اهتم برحلته، ففي عام 1911م قدم الفرنسي (ديستان) ترجمة ملخصة للرحلة في المجلة الأفريقية، قبل أن يترجمها عام 1977م كاملة مستشرق إنجليزي يدعى (نوريس) إلى الإنجليزية، وتأتي أهميتها في أنها "وافقت بداية الغزو الاستعماري الأوروبي للبلاد الإسلامية العربية باحتلال فرنسا للجزائر عام 1246هـ - 1830م، وقد حققت الدارسة زينب بنت الطالب أحمد نص الرحلة تحقيقاً مفيداً في كلية الآداب بجامعة نواكشوط بموريتانيا، ومن النص المحقق هذا الاستعراض:-
وقد استعرض أحمدن بن أحمد المحبوبي في رسالته العلمية بعنوان "أدب الرحلة في بلاد شنقيط" المقدمة عام 1994-1995م لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط بإشراف د. محمد بن شريفة، مضمون هذه الرحلة في محاور: الجانب الصوفي الذي غطى أغلب صفحات الرحلة، والذي كان غالباً على الفكر في بلاده تلك الأيام، فقد استغرق الحديث عن الأولياء والخوارق والكرامات أكثر من ثلث الرحلة، ومقدماً في الــــرحلة قــــراءات لأوضاع المسلمين، ومُرجعاً وهن الأمة يومها إلى الابتعاد عن جادة الدين، ومشيراً إلى أن سقوط الجزائر في يد النصارى بسبب تعدي أهلها من الجزائريين حدود الله وظهور الطغيان بينهم، وامتلأ هذا الجانب من الرحلة بزيارة الأولياء والصالحين حيثما حل.
المحور البارز الآخر في الرحلة: ملاقاة العلماء فكان يلقى علماء كل مدينة أو قرية يمر بها ويحاورهم فيأخذ عنهم، ويعلم من يطلب منه.
"وتتميز الرحلة بالبعد الأدبي والأسلوبي في كتابتها التي تميزت ببساطة الأسلوب وسلاسة اللغة، واستشهد بثلث الألف من الأبيات الشعرية في ثناياها، في الحكمة والموعظة والإرشاد، وعمل الرحالة على تقييد الفوائد، فتحول نص الرحلة إلى دفتر لتحصيل موسوعي وتجميع النظائر والأشباه في الطب والأدب والمنطق والتصوف والفقه والتفسير وعلم الكلام، فكأن الرحلة معرض صغير لمختلف العلوم العربية والإسلامية".

بداية الرحلة
انطلق الرحالة من (تيشيت) ، 250 كيلو متراً شرق تجكجه: "واشترينا منها من اللباس ما هو أكثر من حاجتنا" فوصل بعد 12 يوماً إلى (ولاته)، ومنها إلى (لقصيبة) ووصلها في 14 يـــوماً ولا ماء قبلها "وإنما الماء في القرب على الجمال لكل رجل أربع قرب" وبين (ولاته) و(درعة) قضى الرحالة 60 يوماً "لاَ أنُس، ولا أنيس ولا دار ولا ديار، وإنما هي مهامه فيح (مقفرة)، وكنا قاصدين السير مع الركب الفلالي (الأشراف الفلاليين) فوجدناهم حجوا قبلنا" فقضى الرحالة 3 أشهر في المنطقة مع قبيلة (تجكانت) ومنها واصل سيره من طريق (آف) إلى تيزد "فمن قرية إلى قرية في تلك الجبال، من يد إلى يد ونحن لا نرى منهم إلا الإحسان يوصي بنا كل زعيم قرية زعيم القرية التالية، فمر بـ (تيوت) قرب نهر سوس، ومنها إلى الصويرة، فتارودانت، ومنها إلى مراكش.

وفي الرحلة يبرز (الواداني) نمو علاقة خاصة بينه وبين ملك المغرب السلطان مولاي عبد الرحمن الذي لقيه بمراكش، وأنزله جامع سيدي ميمون الصحراوي الذي جاء به ملوك لمتونة ليعلمهم العلم، "وقال لنا وزيره: فرح بكم سيدنا نصره الله، وقال: هذا محلكم وصار يعاملنا ليلاً ونهاراً معاملة حسنة ولائقة"، واستفسر السلطان منه عن أحوال أهل شنقيط الأمنية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية، ووجد الرحالة عند السلطان من التواضع ما سجل كثيراً من نماذجه في رحلته، ومن ذلك أنه عندما دخل عليه وجده جالساً على الأرض مسنداً ظهره إلى الحائط ليس بينه وبين الحائط والحجر شيء ما من أنواع الفرش، ومنها عدم رغبته في ألقاب (مولاي وسيدي) فطلب من الرحالة أن ينـاديه (يا أخي)، وبالغ السلطان في تكريمه "ولم يبق شيء من أخبار أرضنا وبلادنا إلا وسألني عنه، ومن ذلك سؤالي عما إذا كان بأرضنا النخل" وبعد عشرة أيام أرسل السلطان له ولمن معه من الحجاج صلات مالية، وعند مغادرة الرحالة لمراكش في طريقه للحج زوده السلطان برسائل توصية إلى العمال والقواد لإكرامه والاهتمام به وتقديم الهدايا والصلات له تقديراً لعلمه، ثم توجه إلى (أغمات) "وأهل المغرب يقولون: لا رجال إلا رجال أغمات، وبحثت عن أهلها الأقدمين لعلي أجد ما يعرفني بصلات الرحم مع أهلها، فإن جدي الثامن إلى الخامس مدفون فيها، وجدي السابع (محمد) قدم من مراكش".

ولما وصل الرحالة إلى فاس وجد أن الفرنسيين احتلوا الجزائر بعد (حادثة المروحة)، فكان ذلك مبرراً لغزو واحتلال الجزائر، فعدل عن المرور بها في طريق الحج، فأمر السلطان مولاي عبد الرحمن عامله في فاس بترتيب سفر الرحالة ورفاقه الثمانية بحراً على حسابه إلى الإسكندرية، وبأن يدفع له 100 مثقال ذهباً، "وتوجهنا للعرائش لركوب السفينة فوجدناها قد أبحرت قبل وصولنا ففرحت لذلك فرحتين: إحداها أن أساسنا على الله وكفى بذلك، والثانية أن غرضنا وخاتمة حجنا ناجحان مفلحان، وكان الأمر كذلك والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات".
وسافر الرحالة على السفينة التالية أول ليلة من جمادى الآخرة، فمر بإيطاليا وبمدينة الكرنة (أليفورن) ليجد نفسه تحت حكم الكفار وقهرهم، فوضعوه مع الركاب في (الحجر الصحي) حتى هلال رمضان مدة 40 يوماً، 30 للراكب و10 للبضائع، ووصف الرحالة اهتمام الإسبان بالكتب والمخطوطات "لأن النصارى محافظون على تلك الخزائن، لا يضيع منها كتاب ولا يمنعون المسلمين من النظر في تلك الكتب لكنه لايحمل منها كتاباً واحداً" وقضى الرحالة بين العرائش والكرنة أو أليفورن شهرين إلا ثلاث ليال لعدم مواتاة الريح "فكنا نمكث في بعض المواضع بضعة عشر يوماً والسفينة لاتتحرك في البحر، وقد ركبنا البحر في زمن أهواله شديدة، فمرة أيقن الركاب بالغرق من هول وقوة الموج، حتى إن خدام السفينة من النصارى يتضرعون إلى الله، ويطلبون منا أن نتضرع إليه لينجينا".
وركب الرحالة ورفاقه السفينة أول رمضان متجهين إلى الإسكندرية فقطعها في 12 يوماً "حتى إن أكبر النصارى الذين يخدمون السفينة يقولون :هؤلاء الناس يحبهم ربهم، لأني سافرت بين الكرنة أو أليفورن والإسكندرية 15 مرة فما رأيت مرة من تلك المرات أسرع من هذه المرة".
وفي الإسكندرية اجتمع شمل الرحالة بتلميذه حمحمد صابر) الذي كان افترق عنه في العرائش ومنها نزل (بلاق) "وكان معنا مغاربة كثيرون وعنـــدهم سـلع كثيرة، ووكلاء المرسى لا ينزلون شيئاً إلا أخذوا عليه ضريبة، ولما تكلمت مع رئيسهم وطلبت منهم ترك متاعنا بدون ضريبة استجاب لذلك واخرجوا لنا متاعنا كاملاً" وجهز له قائدها (9) جمال تحمله ورفاقه إلى السويس في الطريق إلى ينبع، "وقد أخبرنا بعض الناس ونحن بمصر أن بالحجاز قطاع طرق لا يسلم منهم حاج أبداً، فتغير قلبي من الهم من ذلك، كما وقع وباء بمكة ابتداؤه من الهند إلى بلاد الإنجليز وهو الطاعون، سمع به الحجاج فمنهم من رجع عن الحج وأبينا نحن أن نرجع، وأفنى هذا الوباء بمكة آلافاً في ثلاثة أيام وعم الوباء العالم وبر النصارى، ووصل إلى (موصك) (موسكو) مقابل إسطنبول ومعناها بالعجمية (الذباب)، سميت بذلك لكثرة ما فيها من الخلق".

إلى مكة المكرمة
"وخرجنا من القاهرة إلى السويس وعن يميننا جبل يشكر، ومكثنا في السويس أياماً قبل ركوب البحر "وفي السفينة يتبادل ركابها معلومات عن بلادهم فهذا، بينه وبين مصر مسيرة عام، والآخر ستة أشهر، وممن لقي على السفينة حاجاً من بخارى" ووصلت السفينة ينبع، ومنها اكترينا جمالاً من عرب جهينة إلى المدينة المنورة، ومكثنا في الطريق إليها خمسة أيام أو ثلاثة، ومررنا بجبل رضوى، وسألت رفاقنا عن شجر رأيته، له مثيل في بلادي فقالوا: السرح، وهو في لهجتنا الحسانية (آتيل) ومكثنا في المدينة 7 أيام، وركبنا مع الركب المدني إلى مكة شرفها الله، فوصلناها صبيحة السابع من مغادرتنا المدينة المنورة، وأكملنا حجنا، وتعرضت لوعكة شفاني الله منها بعد أن شربت لأيام لبن الناقة الذي يحضره لي تلميذي محمد صابر، وعدت بعد الحج إلى المدينة المنورة فقضيت في الطريق 10 أيام، ومنها ليلة اثنين وعشرين من المحرم عام 1247هـ، سافرت مع الركب المصري إلى ينبع مروراً ببدر، واستغرق وصولنا إلى مصر 40 يوماً إضافة إلى مدة الحجر الصحي 8 أيام، وأخبرني من يوثق فيه أن مصر مات فيها من الوباء (الطاعون) أكثر من 400.000"ولما عزمت على السفر إلى الإسكندرية زودني السيد أحمد الغربي الذي استضافني بعدد من (الريال الكبير)، وكذلك زود رفاقي، وأعطاني لباسه وفراشه كله، وأعطانا جمالاً زيادة على جمالنا، وزودنا بتوصيات لموظفيه من مصر إلى درنة وبني غازي وطرابلس وتونس الخضراء.

"وجاءنا ونحن بمصر خبر من العراق أن الفرات أغرق البصرة وأكثر بغداد" وخرجنا من الإسكندرية أوائل جمادى الآخرة 1247هـ فوصلنا (درنة) بعد 27 يوماً "وقد شكا لنا عرب برقة وأهل درنة من معتزلة في بلادهم يفعلون كثيراً من أنواع البدع، وطلبوا مني الرد عليهم فقد ضيعوا البلاد والعباد، وقد ألفنا في ذلك كتاب (فيض المنان في الرد على معتزلة هذا الزمان)، وقد عمل سلطان طرابلس وسلطان المغرب على تعميم دراسته في المساجد، مما أغضب المعتزلة في البلدين عليه، وتوقعوا ألا يخرج من رحلته سالماً.
"وخرجنا من (درنة) إلى بني غازي، ومنها ركبنا البحر أوائل رمضان إلى طرابلس" وتلقانا سلطان طرابلس (باشا يوسف) بما لا يعلمه إلا الله سبحانه من الفرح والسرور والتبجيل والإكرام وطلاقة الوجه، وأنزلنا منزلاً مكرماً معظماً، ورأينا فيها علماء أجلاء ورجالاً ملاحاً وأهل صلاح، ومنهم القاضي التغازي، ثم عرض عليّ الحاج أحمد المكلوب الطرابلسي أن يحملني مع رفاقي على سفينته، فقلت له لا أقدر فأنا ضيف السلطان، إلا أن يأذن بذلك، ولما أذن لنا السلطان بالسفر معه زودنا بأنواع من الزاد الكثير، وتوجهنا بسفينة الحاج أحمد المكلوب إلى صفاقس ومررنا بجزيرة (جربة) ولما وصلنا صفاقس أهداني (المكلوب) سفينته فرددتها عليه يستغلها وأولاده، فقرر أن تحمل كل من يركبها من الوادانيين مجاناً بلا كراء، وزارالرحالة سوسة والمنستير والقيروان، "واستهل علينا المحرم من عام 1248هـ بتونس الخضراء فمكثنا فيها ستة أشهر، ونحن ننتظر سفينة تحملنا إلى جبل طارق وطنجة فأرادوا أن يكروا (يستأجروا) لنا سفينة فأبينا لأجل أنها في أيدي النصارى، ونحن لا نحب أن نكون في إيالة النصارى، وكنت أتخوف من السفر براً لأن أفريقيا لا حاكم لها فهي تابعة للعثمانيين، وكان ينذرني هاتف في المنام بقول الله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} فأمتثل لذلك".
"ولما سقطت الجزائر في أيدي الفرنسيين صارت أعراب تلك البلاد كلها - من قسنطينية الصغرى إلى الجزائر إلى تلمسان إلى وهران - قطاع طرق، فلا يمر حاج ولا غيره إلا أكلوه ولم يتركوا له درهماً، لكنهم لا يقتلوه".

ترحيب وحفاوة
وكانت المرحلة التالية من الرحلة في البلاد التي يسيطر عليها الفرنسيون والإنجليز قد تلقى فيها الرحالة معاملة متباينة من سلطاتها: فممثل فرنسا في الجزائر الدوق (دي روفيقيو) عامله معاملة الضيف الأسير، دون أن يشعره بذلك، وحاول استدراجه والتعرف على ما في بلاده من تجارة وعلاقات سياسية، على أن حفاوة الفرنسيين بالرحالة الواداني أغضبت السكان الجزائريين حديثي عهد باحتلال فرنسا لبلادهم، في حين أن القنصل البريطاني في جبل طارق (وليام هيستن) احتفى به حفاوة كبيرة وعامله معاملة الملوك، وخصصت جريدة (جبرالتار كرونيكل) مقالاً قصيراً لزيارة "ملك شنقيط" قائلة: إن الحفاوة التي تلقاها هي بادرة حسن نية تجاه سلطان المغرب الذي وصفته بالصديق والحليف الوفي، وأقام له القنصل البريطاني التشريفات والحفلات، أما الرحالة فكان يرى أن ذلك من تسخير اللّه لخدمته ومرافقيه من الحجاج، ويراه من نعم اللّه الواجب شكرها وتكرار الشكر بلا ملل".
وركب الرحالة الواداني السفينة من تونس قاصداً الجزائر "فلما أرسينا في مرسى الجزائر أخذنا النصارى إلى الحجر الصحي، وعبر ترجمان سألوا عن اسمي واسم والدي ومدينتي، وفي الحجر كانوا يرسلون لنا لمدة عشرة أيام اللحم والخبز والخضرة، وبعدها أخذونا مع أصحابي - رغم رغبتي البقاء في السفينة حتى أنتقل إلى السفينة المسافرة إلى طنجة-، ووكلوا بنا نصرانياً وزوجته وبنته وغلامين يهوديين يترجمان لهم رغبتنا في الأكل ونحوه، وقال كبيرهم للوكيلين : إياكم أن يعوزهم وجماعتهم في السفينة شيء مما يحتاجون إليه ويحبون من الأطعمة، وكل يوم يأتينا واحد من كبرائهم للترحيب والفرح بنا فنقول له مرحباً وسهلاً، وأقول في سري: لم يبق يا اللّه سوى محض فضلك الجزيل وسترك الجميل، ثم جـاءني كبيـــرهم قائـــلاً: ها نحن أحضرنا لك مركباً عسكرياً ننقلك وجماعتك حيـــث تريد (جبـــل طـــارق أو طنجة أو اندر- سان لوي) بالسنغال، فاخترت طنجة، ورفضت إلا أن يأخذ معنا على المركب جميع حجاج المغرب الذين كانوا معنا أو نكتري سفينة لأنفسنا، فاستجاب لذلك قائلاً: إذا حقــقنا رغبتك وأوصلناك إلى ســــلطان المغرب مولاي عبدالرحمن هل نكــــون وفيناك حقك؟ فقلت له نعم، ومـلأؤا لنا السفينة بالأكباش والبقر والدجاج والدقيق المطحون والشاي الأخضـــر، وفي السفينة فرن تأتيـك منه الخبزة ســـاخنة حـــارة على ما تشـتهيه نفسك".

"ولما عزمنا على ركوب المركب العسكري من الجزائر جاء كبير النصارى وزوجته وعياله لوداعنا، فتوادعنا معهم وداعاً مليحاً وسافرنا والحمد لله مكرمين مبجلين، وكثيراً ما يقول لي قائد المركب الحربي: إن هذا كله عمل لخاطرك من ركوب بغير كراء، وأكل وشرب شاي وغيره من الإكرام لجميع الركاب، واستهل علينا شعبان ونحن بالبحر، وفي وقت نزولنا في جبل طارق في مركب فرنسا، أرسل لنا كبير الإنجليز الذي بجبل طارق ولده في فلك يطلب إليّ أن أنزل عندهم، فنزلنا من السفينة الفرنسية، وركبنا معه، ولما وصلنا مرسى المدينة ضربت لنا المدافع 20 طلقة تحية لمقدمنا، وصعد بنا ابنه إلى الطابق الأعلى في منزل والده وأجلسونا عندهم ثلاثة أيام أبطلوا خلالها البيع والشراء، وما ذلك إلا لتفريحنا، وكان خلالها يخرج بنا في النهار ليفرجنا على عساكره، وأدخلنا ليلاً إلى دار ملأى بالبنادق مسطرة آلافاً مؤلفة، وفي الليل يصعد بنا إلى أعلى منزله مع عياله وأولاده ويرسل إلى كبراء النصارى في المدينة وعيالهم، فيشتغلون بأنواع الأغاني والرقص، ويحضرون أنواعاً لا تخطر على بال من الحلويات، وتشتعل القناديل من كل جهة، ويجلسني على فراشه العالي، ومن الليل إلى نصفه وهم في الغناء والرقص، ويأخذ الشاب بيد الشابة يرقصون الليل كله، ويأتيني بكبير كل جنس منهم وكل كبيرة فيقول لي هذا كبير الفلاليين وهذه كذلك، ومقصوده من ذلك إظهار التكريم والتبجيل، وطوال انشغالهم بذلك لا يفتر لساني عن الذكر، ولا قلبي عن التفكر، حتى لا يكون قلبي مع غير اللّه، وكما فعل الفرنسيون أعطـــــاني الإنجليز أنواعاً من الحوائج النفيسة، وقوالب السكر والشاي والشمع وغــــير ذلك من غــــير طـــلب ولا ســبب، بل بمحض الفضل والكرم من اللّه".

"وخلال الفترة كانت سفينتنا واقفة لثلاثة أيام تنتظرنا لحملنا إلى الوجهة التي نختارها بين العرائش أو تطوان أو طنجة، فاخترت طنجة، وكما عند الاستقبال كان وداع القنصل الإنجليزي حافلاً بطلقات المدفعية الـ02، ثم توجه المركب بي ورفاقي إلى طنجة، ونزلنا طنجة بذلك وبما زودنا به سلطان تونس، وزاد الحجاج المغاربة الذين اشتروه من تونس، فنزلنا بذلك كله في طنجة من غير نقصان، وعندما اقترب المركب الحربي الفرنسي بنا من مرسى طنجة كان الميناء مزدحماً بالسفن من كل مكان، فأرسل قائد طنجة بحارته لأخذنا من المركب فنزلنا، وأركبني فرساً مسرجاً وتوجه بي وأنزلني قصبة طنجة التي لا ينزلها عادة سوى السلطان، ومنها إلى الرباط، وتوجهت للسلام على السلطان، ولقيت منه من أنواع الإحسان وفنــــون التقريب والتكريم والامتـــنان ما لا تحصيه الدفاتر والأقلام والمحابر، حتى إنه بعد أن بلغنا في رحلة العودة (وادي نون) وهو الساقية الحمراء بالصحراء المغربية أتبعنا 10 جمال من الأرزاق، وفي الرباط اختار لي (دويرة الكتب) عند جامع بريم ولا يسكنها عادة إلا خواص العلماء، وزودني السلطان بالمال لشراء الكتب فتوجهت لفاس واشتريت حاجتي منها. وأخذتها إلى بلادي في صناديق تحملها 30 بعيراً".

وحاول سلطان المغرب إغراء الرحالة الواداني بالبقاء في المغرب، لكن الواداني استأذنه في العودة لبلاده لمواجهة الحقوق عليه، فعرض عليه إنشــــاء زاوية باســمه "تكون وصلة بيننا وبينه وأولاده، لما تحققنا من محبته إيانا في اللّه، لتكون تلك الزاوية إلى آخر الأبد، وتم شراء وتجديد منزل منـــاسب لها على حســـاب السلطان في مراكش".

رحلة العودة
وتوجه الرحالة في رحلة العودة "قاصدين محروسة الصويرة أواخر ذي القعدة 1249هـ، وكان في وداعنا نجل السلطان وأهل مراكش كلهم، فلم يرجع هو وجميع من معه إلى أن غابت مراكش وأرضها عن نظر أبصارنا".

وبتوصية من السلطان "لقينا من واليها غاية الإكرام والاحترام، وأنواع اللذائذ من الهدايا العظام، وقصاع مشرعة من الطعام والشاي (أتاي) بكرة وعشياً، ومعنا الخدام الذين خصصهم السلطان لخدمتنا ومعهم خيلهم وبغالهم، والذين مكثوا معنا أكثر من عام، ومكثنا فيها شهرين حتى لحق بنا ولدنا محمد صابر، وعند مغادرتنا هلال صفر، زودنا أهل الصويرة كأهل فاس بأنواع منوعة من الزاد، منها زيادة على أنواع الطعام: الشاي والشمع، ولما وصلنا (وادي نون) أواخر صفر، إذا نحن بعشرة جمال موسوقة بأنواع الزاد النفيس (ثلاثة كسكساً، وثلاثة محمصة، وثــــلاثة بجماط والعاشر أرز) مرسلة من السلطان".
"وخرجنا من وادي نون هلال رجب، وبعد خروجنا لحق بنا ركب من أولاد (بلة) بهدية من هداياهم ومكثنا بين وادي نــــون، ووادان.. رجب وشعبان إلا ثـــــلاث ليال في العام الموفي خمسين بعد مائتين وألف للهجرة، فصارت أعوام الحج وقت خروجنا عام خمسة وأربعين إلى وقت قدومنا ست سنين، ينقصان عام الخروج وعام القدوم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصـالحات، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين".
تلك كانت رحلة في (رحلة الرحالة الواداني)، الذي قضى ست سنوات في الذهاب والإياب من الحج في ظروف أمنية خطيرة، كان سلاحه فيها إيمانه بتوفيق الله، وتفاؤل عريض يملأ نفسه، وكثيراً ما كان يتفاءل بآية من القرآن الكريم ترد على خاطره، أو بنص من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، أو ببيت شعري "فذلك التسخير للخلق من يد إلى يد من غير سبب ولا طلب، من وادي درعة إلى تارودانت إلى مراكش، ومنها إلى يد السلطان مولاي عبد الرحمن إلى فاس إلى العرايش إلى الإسكندرية، ثم على بحر النيل إلى مصر إلى المدينة، ثم إلى مصر ثم إلى درن ثم إلى بني غازي ثم إلى طرابلس، وهذا كله من يد إلى يد من غير كراء، إلى صفاقس ثم إلى سوسة، ثم إلى المنستير، ثم إلى القيروان، ثم إلى تونس، ثم إلى بجاية، ثم إلى الجزائر التي بها الفرنسيون، ثم إلى جبل طارق التي بها الإنجليز، ثم إلى طنجة، ثم إلى الرباط، ثم إلى مراكش، ثم إلى مكناسة الزيتون، ثم إلى آخر أيام الرحلة، كما يلاحظ في رحلته تكرار الروايات والقصص، وذلك حسبما يرى الدارس أحمدن بن أحمد المحبوبي: "لترسيخ مروياته في الأذهان واتباعاً لنهجه في الكتابة بتدوين كل المسموعات، وتسجيل كل ما وقع عليه الناظر، وبعبارات الرحالة: وربما أطنبنا وأطلنا الكلام اغتناماً للفوائد التي استفدنا، ولأن شأن الرحلة منذ قديم الزمان اغتنام الفوائد واستجلابها"

- --

1- رحلة المنى والمنة لمنشئها: الطالب أحمد بن طوير الجنة: نص محقق للدارسة: زينب بنت الطالب أحمد ـ كلية الآداب جامعة نواكشوط ـ موريتانيا.

2- أدب الرحلة في بلاد شنقيط ـ خلال القرنين 13- 14 هـ 18- 19 م - للدارس: أحمدن بن أحمد المحبوبي ـ كلية الآداب ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط ـ المملكة المغربية.

3- جريدة العلم في 15-11-2000م ـ العدد 30 ـ مقال ـ ذاكرة الوطن ـ للمصطفي ولد أحمد ـ نواكشوط.

4- المجلة الأفريقية ـ عام 1911م مقال ـ ديستان ـ وهو مدير مدرسة الجزائر آنذاك ـ عن الرحلة-.

5- مجلة المناهل المغربية ـ السنة السابعة ـ جمادى الأولى عام 1400هـ.

6- مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق ـ عدد شعبان عام 1399هـ ـ يوليو 1979م.

7- مجلة البحث العلمي ـ يصدرها المعهد الجامعي للبحث العلمي ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط ـ العدد 28 ديسمبر عام 1977م.
=====

 

 ** مقال منشور  فى مجلة "أهلا وسهلا"