قراءة فى رحلة الولاتي - للأستاذ أحمد الأزمي

دور الرحلة الحجية  في تمتين العلاقات الثقافية بين البلدان العربية الإسلامية- "رحلة محمد يحيى الولاتي نموذجا"

الأستاذ أحمد الأزمي

كلية الآداب – ظهر المهراز - فاس

-    1 –
إلى جانب السعي في طلب العلم والاستفادة من العلماء، كان حج بيت الله الحرام من أهم العوامل التي دفعت المسلمين في كل فج عميق إلى الرحلة والانتقال، فالحج كان ولا يزل رحلة يتشوق إلى أدائها كافة الناس، وليس علماؤهم أو فقهاؤهم فقط.
وتبعا لذلك، فقد اكتست رحلة الحج صفة تراثية شعبية، ونالت من اهتمام الحكام والسلاطين والأمراء والفقهاء والمتصوفة في مختلف البلدان الإسلامية إلى حد دفعهم إلى إقامة الكثير من المنشآت على الطريق لخدمة الحجاج، وإلى إصدار تعليماتهم إلى الجنود لبذل ما في وسعهم لضمان سلامة القاصدين زيارة بيت الله الحرام، وقبر النبي محمد عليه الصلاة والسلام. (2)

وبما أن تحقيق هدف "حج بيت الله الحرام" لا يمكن أن يتحقق لكل فرد إلا عن طريق القيام برحلة إلى بلاد الحجاز، فإن الحجاج قبل عصر السيارة والطائرة كانوا يتحملوا كل الصعاب والأهوال في البر والبحر من أجل تحقيق المراد.

فعلاوة على أن السفر هنا يتجشم المسلم صعوباته لتطبيق ركن من أركان الإسلام طعما في نيل رضا الله، فإن الرحلة من جهة أخرى دعا إليها ديننا الحنيف، إذ لا يخفى أن الله جلت حكمته فرق منافع الدنيا في أماكن متفرقة من أرضه الواسعة، وهنا تكمن أهمية الرحلات والأسفار في رفع وعي المسلم، وتقوية إيمانه بقدرة الله وحكمته، مما يحتم عليه الإكثار من شكر نعمه، ناهيك عما يشاهده المسافر من عجائب، وما يراكمه من تجارب، وما يجلبه من مكاسب.
وفي القرآن الكريم عدد غير قليل من الآيات تؤكد على أهمية السفر، وفضائله، وتحث عليه.
قال تعالى: "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق، ثم الله ينشئ النشأة الآخرة، إن الله على كل شيء قدير". (3)
وقال عز وجل: "قد خلت من قبلكم سنن، فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين". (4)
وقال عز من قائل: "أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم، كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض". (5)
إلى غير ذلك من الآيات الكريمات.
وبما أن الأسفار والرحلات أنواع، فإن الرحلة الحجازية الحجية في تصورنا هي التي استأثرت باهتمام المغاربة على امتداد تاريخ المغرب الإسلامي رحلة وتأليفا. (6)
ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن المغاربة الذين ألفوا في الرحلات الحجية فاقوا كما وكيفا نظراءهم في البلدان العربية الإسلامية الأخرى، ممن كتبوا في نفس الموضوع، نظرا لما جبل عليه أهل المغرب من محبة للرسول (ص)، ولآل بيته من جهة، ولتعطشهم للعلم والمعرفة من جهة ثانية، يشهد على هذا الكلام ما تحفل به العديد من المخطوطات والمؤلفات المغربية والمشرقية من معلومات تتحدث عن عدد لا يستهان به من الرحالين المغاربة إلى بلاد الحجاز خلال العصور الوسطى والحديثة والمعاصرة. (7)
مصداق ذلك ما أورده أستاذنا الفقيه محمد المنوني رحمه الله، في كتابه "من حديث الركب المغربي"، من أن نشأة الركب المغربي (الرحلة إلى الحج) يعود تاريخها إلى أواسط العهد الموحدي، ويعود الفضل في ذلك حسب نفس المصدر إلى الإمام الشهير أبي محمد صلاح، المتوفى سنة 631 هـ. وهكذا، فمنذ العصر الموحدي حتى العصر العلوي انتظمت الرحلة الحجية الرسمية برعاية الدولة المغربية، وشملت معظم جهات المغرب الكبرى آنذاك فيما صار يعرف "بالركب الفاسي" و"الركب السلجماسي" و"الركب المراكشي" و"الركب الشنجيطي". (8)
وإذا كان الأمر هنا يتعلق بالحجاج من عامة الناس وخاصتهم فإن المبتغى من هذه الإفادات هو أن الطريق انفسحت وتمهدت أمام الحاج المغربي ماديا وأدبيا، مما ساهم في تكاثر عدد القاصدين بيت اله الحرام عبر القرون، ومن بينهم تلك الصفوة من رجال الفقه والعلم المغاربة، الذين كانوا يشدون الرحال إلى بلاد الحجاز قصد تحقيق غرضين أساسيين، هما: أداء فريضة الحج، والتعرف على علماء المشرق، والاحتكاك بهم أخذا وعطاء، عن طريق التلقي، والمناظرات، والسجالات العلمية أحيانا.
وتستمد مؤلفات الرحلات الحجية الحجازية أهميتها القصوى من كون أصحابها ضمنوها تفاصيل تتعلق بمشاهداتهم لمختلف الأماكن المقدسة ببلاد الجاز، وبيان مناسك الحج، وذكر أسماء العلماء الذين التقوا بهم، سواء في مصر أو الشام أو الحجاز مع إعطاء نبذة عن الجغرافية الطبيعية والبشرية والعمرانية بخصوص الأماكن التي مروا بها، منذ بداية السفر حتى نهايته ذهابا وإيابا (...)
لقد جرت وقائع رحلة محمد يحيى الولاتي، موضوع عرضنا هذا في نهاية القرن 19، على عهد السلطان المولى عبد العزيز، وعلى عكس الكثير من الرحلات الحجية التي اهتم مؤلفوها بوصف ما شاهدوه في طريق سفرهم، أو في بلاد الحجاز من معالم جغرافية وبشرية وما شابه ذلك، فإن صاحبنا ركز جل اهتماماته في رحلته التي دونها على قضايا علمية تناولتها أجوبته على مختلف الأسئلة التي طرحت عليه في مختلف البلدان الإسلامية التي زارها في المشرق والمغرب، كما ضمن الرحلة نفسها أسماء العلماء والشخصيات التي التقى بها، وأغدقت عليه الكثير من العطايا والهدايا، تكريما له واعترافا بعلو كعبه في مختلف العلوم الإسلامية.
والواقع فإن محمد يحيى الولاتي قد أبان من خلال أجوبته على قضايا المطروحة عليه أينما حل وارتحل عن قدرة لا تضاهى في امتلاك الحجج والأدلة القرآنية والحديثية، مما ساعده على إفحام الخصوم وانتزاع الإعجاب من الخاصة والعموم.
وبعمله هذا، ومن خلال رحلته المذكورة يمكن القول: إن الولاتي قدم إسهاما لا يستهان به في تمتين العلاقات الثقافية بين البلدان العربية الإسلامية المشرقية والمغربية.
فمن هو إذن محمد يحيى الولاتي؟
أولا – التعريف بالمؤلف والمؤلف:
1- التعريف بالمؤلف:
هو محمد يحيى بن محمد المختار الولاتي الشنجيطي المزداد بولاية من بلاد شنجيط في تاريخ غير معروف. توفي سنة 1330 هـ / 1912 م، (14) وكما نجهل تاريخ ولادته، فإننا لا نعرف أي شيء عن طفولته، ولا عن أسماء الشيوخ الذين أخذ عنهم، وكل ما لدينا من معلومات حوله مستخرج من إنتاجه الفقهي والصوفي الوارد في رحلته هاته.
وبناء عليه، يتضح أنه كان عالما مشاركا، محدثا حافظا، فقيها، أصوليا، أديبا، شاعرا، ناثرا، مالكي المذهب، أشعري الاعتقاد، تجاني الطريقة، منفتح العقل، على قدر كبير من الفطنة والذكاء، وهو واحد من كبار العلماء الذين أنجبتهم بلاد شنجيط مثل محمد بن أبي بكر البرتلي
الولاتي مؤلف كتاب "فتح الشكور" (15) الذي تعرض لذكر عدد كبير من العلماء والحفاظ من "ولاته"، و"تشبت" و"تجاكانت" و"ودان" وشنجيط" و"أروان"، وغيرها من جهات الإقليم الشنجيطي الكبير خلال القرن الثامن عشر على الخصوص.
كما أنه برز في نفس المنطقة أيضا علاء تجانيون كبار خلال القرن 19 أمثال: التجاني بن بابا بن أحمد العلوي "ت 1845" ناظم "منية المريد" (16) وصاحب "رحلة حجازية" أيضا، مع لفت الانتباه إلى أن منية المريد هذه هي التي شرحها محمد العربي بن السائح في بغيته، (17) ثم أحمد بن الأمين الشنقيطي "ت 1331 / 1913"، التجاني الطريقة، مؤلف "الوسيط"، (18) الذي كانت له رحلة حجية أيضا، قادته إلى روسيا وتركيا وسوريا قبل أن يستقر بالقاهرة؛ (19) وكلهم علماء يستنتج من كتاباتهم ومن مؤلفات أخرى أن المغرب لعب دورا كبيرا في تكوينهم العلمي، إما بصفة مباشرة أو غير مباشرة، خصوصا وأن بلاد شنقيط خلال المراحل التاريخية المذكورة كانت جزءا لا يتجزأ من المغرب.
وهذا موضوع آخر لا يتسع المجال هنا للتوسع فيه.
لقد ألف محمد يحيى الولاتي تأليف أخرى غير الرحلة، وما تضمنته من فتاوي وأشعار، وأهم هذه الكتب:
* شرح مرتقى الوصول في علم الأصول: لمحمد بن عاصم الغرناطي.
* شرح مراقي السعود في الأصول: لعبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي.
* رسالة في: أحكام هبة الحيوان مع استثناء ذكوره.
* كتاب: الأطعمة والأشربة.
* مجموع فتاوي فقهية ضمنها "أحكام الأوراق البنكية".

 

 

* منبع الحق والتقوى: وهو كتاب في "فقه الكتاب والسنة".

* تأليف في مصطلح الحديث، الخ...

وقد أورد الأستاذ محمد حجي المخرج لهذا الكتاب والمعلق عليه أنه استقى أسماء هذه المؤلفات من "الرحلة" نفسها، ومما نسبه له الأستاذ محمد المختار ولد اباه في كتابه: "دراسات في تاريخ التشريع الإسلامي في موريتانيا". (20)

وتبعا لنفس المصدر فإن صاحب "الرحلة" عاش في عفاف وكفاف، متفرغا للعلم، لم يشتغل قط بأية وظيفة مع الدولة، ورزق ولدان حجا معه، هما محمد وأحمد، ونالا من الحظوة لدى السلطان وأعيان البلاد بالمغرب والمشرق ما ناله أبوهما. (21)

يستفاد من الرحلة أن المؤلف تزوج في الرباط عندما حل بها قادما من شنقيط، يستصحب معه إماء.
2- التعريف بالمؤلف:
يشتمل هذا الكتاب الذي يحمل عنوان "الرحلة الحجازية" على 407 صفحة، وأتى فهرس موضوعاته كما أراد له مخرجه مقسما إلى سبعة أقسام، كل قسم يضم مجموعة من العناوين.
ونقدم في ما يلي لمحة عن كل قسم:
* القسم الأول: يتحدث عن بداية الرحلة من "ولاته" في 7 رجب 1311 / 14 أبريل 1894، ثم الخروج إلى قرية "أخريجيت" ومنها إلى "تشيت" التي أقام بها نحو ثمانية أشهر، وخلالها نظم بعض القصائد في الشرق وأسماء النبي عليه الصلاة والسلام.
* القسم الثاني: خروج المؤلف إلى "شنقيط" والإقامة بها شهرين، ثم توجهه إلى "كلميم" واستفتاؤه بها عن حكم الجمعة فيها.
* القسم الثالث: الرحيل إلى "تزروالت" والإقامة بها شهرين، وخلالها أجاب عن أسئلة محمد العربي الأدوزي، ومن "تزوالت" توجه إلى "الصويرة" ومنها سافر بحرا إلى "الرباط" حيث مثل بين يدي السلطان مولاي عبد العزيز.
* القسم الرابع: إبحار الولاتي إلى الحجاز وإقامته في البقاع المقدسة ستة أشهر، وخلالها أحرم بالعمرة، وتوجه إلى مكة المكرمة، ثم بعد مدة قصد المدينة المنورة.وعلاوة على زيارته للمآثر الإسلامية بالمدينة، والبقيع، وأحد، فقد أفتى المؤلف وأجاب على عدة أسئلة في هذه الديار المقدسة.
* القسم الخامس: خروج الولاتي من المدينة المنورة وسفره إلى مصر حيث اجتمع بعلماء الاسكندرية الذين أهدوا إليه كتبا كثيرة، وخلال إقامته بمصر أحاب عن عدة أسئلة أيضا.
* القسم السادس: وصول المؤلف إلى تونس وإقامته بها ثمانين ليلة، وخلالها التقى بعدد كبير من علماء البلاد وكبرائها.
وبالمناسبة أفتى وألف رسالة في ثبوت الهلال تحت عنوان: "حسام العدل والإنصاف في شهادة رؤية النار وسماع المدفع وضرب التلغراف".
* القسم السابع: إبحار المؤلف من "تونس" وعودته إلى "المغرب" عبر "مرسيليا" و "طنجة"، ثم نهاية الرحلة برجوع المؤلف إلى "أروان" يوم 6 شوال 1317 / 1900.
تتسلسل أحداث الرحلة ومراحلها تسلسلا كرونولوجيا، ذهابا وإيابا، وتتضمن ذكر الطرق والمنازل والأشخاص الذين التقى بهم من علماء، وطلبة، وحكام، وموظفين، وتجار.
وتشتمل الرحلة على نصوص شعرية طويلة، وعلى فوائد تاريخية واجتماعية ودينية جمة حول الإقليم السوسي بالخصوص، علاوة على ما تضمنته الرحلة من أخبار حول مدينة الرباط، ورجالات الطريقة التجانية بها، وكبار رجال المخزن الذين لقيهم، وبلاط السلطان المولى عبد العزيز، الذي تشرف المؤلف بالمثول بين يديه في الذهاب والإياب.
كما يسلط مضمون الرحلة الأضواء على النشاط العلمي المتميز بالإسكندرية والقاهرة، وحركة الطباعة المزدهرة بها، وعن النشاط المماثل في تونس، وكثرة العلماء بها.
ومن خلال محتويات القسم الرابع من الرحلة المتعلق بالحرمين الشريفين يبرز ورع محمد يحيى الولاتي، وعلو كعبة في العلوم الدينية.
ثانيا – الجوانب الثقافية والعلمية في الرحلة ودورها في تمتين الروابط بين البلدان العربية الإسلامية:
لقد طرحت على المؤلف عدة أسئلة في البلدان التي زارها خارج المغرب، وخصوصا الحجاز ومصر وتونس، ولقد أجاب عليها كلها، وأدلى بدلوه فيها.
ومن خلال تلك الأجوبة والفتاوي يبدو أن صاحب "الرحلة" حافظ لكتاب الله العزيز، وعلى إلمام كبير بالأحاديث النبوية، وآراء كبار الفقهاء والعلماء المسلمين قديما وحديثا، واسع الاطلاع على فقه المذاهب الإسلامية، مما أكسبه قدرة كبيرة على الإقناع، وأحيانا على الإفحام في الإفتاء والردود.
ونظرا لإسهاب محمد يحيى الولاتي في الرد على السؤال الواحد بشكل لافت للنظر، لتمكنه من استحضار عدد كبير من الاستشهادات، والأدلة القرآنية والحديثية والفقهية في كل جواب، فإننا سنقتصر على إيراد بعض عناصر الإجابة على كل سؤال فقط، كي نمكن القارئ من معرفة طبيعة السؤال، وجواب الولاتي عليه بشكل عام، وكانت أول بلاد أجاب فيها وأفتى في بعض القضايا هي بلاد الحجاز.
1-  في الحجاز:
2-  يذكر المؤلف أنه أبحر في "البابور" من الرباط، بعد أن تشرف بلقاء السلطان مولاي عبد العزيز (22) في اتجاه جدة لثمان ليال بقين من شوال عام 1313 هـ / 1896 م، مرورا بطنجة، والجزائر، وتونس، وبور سعيد، والسويس، ثم جدة أخيرا التي وصلها البابور يزم 7 ذو القعدة. (23)
3-  ثم يواصل فقيهنا كلامه راويا كيف أحرم بالعمرة؟ وتوجه إلى مكة المكرمة، ثم بعدها إلى المدينة
المنورة، التي أقام بها أربعة أشهر، (24) قضاها في الصلاة بالمسجد النبوي وزيارة قبر الرسول وقبور كبار الصحابة، ومختلف المآثر الإسلامية بالمدينة المنورة، مع ما رافق ذلك من مراعاة آداب الزيارة، وهو موضوع لن نطيل الكلام حوله لنركز اهتمامنا هنا على أجوبة الفقيه الولاتي بالحجاز.
السؤال الذي نبدأ به طرح على المؤلف وهو بجدة من طرف من يدعي العلم، على حد قوله، (25) والسؤال هو: هل الله قادر على أن يتخذ ولدا وشريكا له؟
وبما أن السؤال ألقي على فقيهنا بواسطة نزيله عبد العزيز جمجوم، فإن الولاتي طلب من هذا الأخير أن إلى السائل ويقول له: إن هذا السؤال بدعة شنيعة، وصاحبه بدعي.
فكان جواب السائل بعد رجوع جمجوم إليه أن ضيفه "أي: الولاتي" لا يعرف ما يقول فيه، وطلب منه أن يعود إليه "أي: إلى الولاتي" ويقول له: إن جواب هذا السؤال هو أن القدرة لا تتعلق بالمحال. (26)
وبما أن هذا الجواب في غير محله فقد "حملتني الغيرة " -يقول الولاتي- على جانب ربي سبحانه وتعالى عن أمثال هذا السؤال علوا كبيرا، على أن أجيب عن هذا السؤال وهذا الجواب اللذين صدروا من هذا البدعي". (27)
أسهب محمد يحيى الولاتي في هذا الجواب الذي امتد على عشر صفحات، واستهله بعد الحمدلة والبسملة بالقول: بأن الجواب الموافق للحق في هذه المسألة هو أن يقال له، كما قال مالك للبدعي، الذي سأله عن قوله تعالى: "الرحمن على العرش استوى". (28)
فقال له مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضال.
فالصواب يقول الولاتي: أن يقال لهذا السائل: اعلم يا جاهل أن كون الله تعالى قادر على كل شيء عقيدة معلومة بالضرورة عند المومنين المخصلين من أهل السنة، والإيمان بأن الله تعالى على كل شيء قدير واجب، مع الأخذ بعين الاعتبار أن العقل عاجز عن إدراك كيفية تعلق القدرة بكل جزئية من جزئيات المخوقات.
يضيف نفس المصدر: (29) وإذا تمهد هذا، يقول صاحب الرحلة: فيجب على السائل أن يعلم أنه قد ورد في كتاب الله تعالى في أكثر من آية قوله عز وجل: "إن الله على كل شيء قدير"، وهي الآية التي نومن بها على مراد الله تعالى فيها كما آمن بذلك الصحابة رضوان الله عليهم، ولا نبحث في كيفية تعلق قدرة الله بجزئيات الأشياء الجائزة، والواجبة، والمستحيلة، اقتداء بنبينا (ص)، لأنه لم يرد عنه شيء في ذلك، فلا نخصص الآية بمجرد عقولنا بأن نقول: الآية مختصة بالواجبات والجائزات دون المستحيلات، وأن القدرة لا تتعلق بها، بل نسكت ونفوض ونومن بالآية على مراد الله تعالى ورسوله (ص)، كما أمر بها الصحابة، ونترك الخوض في كيفية تعلق القدرة بكل جزئية من جزئيات الأشياء، (30) لماذا؟ لأن "الله خالق كل شيء" (31) "يضيف المؤلف".
وقد شك الولاتي في أن يكون للسائل إيمان تام بالقرآن الذي ينص صراحة على استحالة أن يتخذ الله الولد والشريك، وقوله الحق، "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه".
وقد استحضر الولاتي بهذا الصدد عددا كبيرا من آيات الذكر الحكيم، هذه بعضها: (32)
"وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيرا". (33)
* "ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله، إذا لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، سبحان الله عما يصفون". (34)
* "ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله إنهم لكاذبون". (35)
* "قولوا هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد".
وقد خلص لمؤلف في النهاية إلى القول بأن "سورة الإخلاص" تقضي بمضمونها النهي عن صورتين:
إحداهما: كفر، وهو إثبات الولد، أو الوالد، أو الشريك له تعالى.
الثانية: بدعة محرمة، وسوء أدب مع الله، وهو إثبات شيء من ذلك له تعالى على سبيل الفرض بالسؤال، كسؤال هذا السائل. (36)

 

أما في المدينة المنورة فقد سئل الولاتي عن الحكم الشرعي في أربع مسائل: (37)

الأولى: هل يجوز للقاضي المالكي المقلد المحض أن يحكم بالضعيف في مذهب إمامه أولا؟
الثانية: هل يجوز له أن يحكم بقول غير إمامه كالحنفي مثلا أو لا؟
الثالثة: هل يجب نقض حكمه إذا حكم بذلك أم لا؟
هل هو ما خالف نصا أو إجماعا أو قاعدة قطعية أو قياسا جليا؟
- أو هو ما خالف المشهور في المذهب أو الراجح، وإن لم يخالف نصا ولا إجماعا ولا قاعدة قطعية ولا قياسا جليا؟
ونقدم في ما يلي مختصرا لأجوبة فقيهما عن الأسئلة الأربعة:
* جواب المسألة الأولى: (38)
يقول المؤلف: هو أن القاضي المالكي المقلد المحض، أي: الذي ليس مجتهدا في المذهب ولا في الفتوى، لا يجوز له الحكم بالضعيف من المذهب اتفاقا، واستدل في رأيه هذا "بحاشية الحطاب" الذي ينص على أن القاضي المقلد ملزم، إذا وجد المشهور، بأن لا يخرج عنه.
وذكر عن المازري أنه بلغ رتبة الاجتهاد وما أفتى بغير المشهور، كما استشهد الولاتي في هذا الجواب برأي التسولي في شرحه على ابن عاصم، وبما ورد في حاشية البناني، وبإقرارات المعيار، وكلها آراء تنص على عدم جواز الحكم بالضعيف من المذهب.
* جواب المسألة الثانية: (39)
أفتى محمد يحيى الولاتي في هذا الأمر بأن القاضي المالكي المقلد المحض لا يجوز له الحكم بقول غير إمامه، كالحنفي مثلا اتفاقا، ففي "مختصر خليل"، يقول نفس المصدر ما نصه: فحكم بقول مقلده أي إمامه انتهى، ومثل هذا الرأي ورد في "شرح الدردير"، وفي عامة "شروح خليل" وسائر "كتب المذهب" المعتمدة، يضيف الولاتي.
* جواب المسألة الثالثة: (40)
إذا حكم القاضي المالكي المقلد المحض بقول غير إمامه، أو بالضعيف من مذهب إمامه يجب نقض حكمه اتفاقا، ولا يجوز إمضاؤه، واعتمد المؤلف في هذا الجواب على "شرح الدردير"، وعلى ابن عرفة وتلميذه البرزلي،
والشبرخيتي في "شرحه على المختصر"، وعلى "نوازل" علي الأجهوري، والعلوي في "مراقي السعود" في كتاب الاجتهاد.
* جواب المسألة الرابعة: (41)
يرى المؤلف أن المراد بالضعيف في هذه المسألة ما خالف المشهور، والراجح، أو مذهب المدونة، معتمدا في ذلك على البناني في "حاشيته" وابن عرفة في "مختصره"، و"صاحب العمل" والتسولي في "شرح التحفة"، فهؤلاء اتفقوا كلهم على أن قضاة زماننا هذا على حد قوله محجر عليهم في الحكم بالضعيف، وأنهم إذا حكموا به نقض حكم من حكم به منهم.
كان آخر جواب للمؤلف بالحجاز يتعلق بمعنى قوله تعالى: "كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون"، غير أنه لا يفصح عن المكان بالضبط في الحجاز الذي سئل فيه، هل المدينة المنورة؟ أو مكة؟ أو جدة؟ ولا عن الشخص الذي سأله.
السؤال كاملا هو: معنى قوله تعالى: "كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون" هل الجملة الثانية فيها لتأكيد الأولى، أو هي للتأسيس؟ وهل "ثم العاطفة بينهما" مستعملة في معناها الأصلي الذي هو التراخي في الزمان، أو مستعملة في معنى مجازي هو التراخي في الرتبة بين العقاب المنذر به في الجملة الأولى والعقاب المنذر به في الثانية، تنزيلا لبعد الرتبة منزلة بعد الزمان. (42)
وجواب الولاتي على هذا السؤال باختصار شديد، هو أن الجملة الثانية ليست تأكيدا للجملة الأولى معنى ولفظا، وليست متحدة معها معنى ووقتا.
وعليه، فإن العقاب المنذر به في الثانية ليس هو عين العقاب المنذر به في الأولى، كما يرى بعض المفسرين: "كالقزويني" في "التخليص" والدسوقي في "حاشيته" على "مختصر السعد"، (43) لعدة أسباب أهمها: كون القاعدة البيانية تنص على أن الشيء لا يعطف على نفسه بعاطف ما، ثم إن العطف يقتضي المغايرة مع المعطوف، (44) واستشهد في بسط هذا الجواب برأي الإمام علي بن أبي طالب، وعبد الله ابن عباس في الموضوع. (45)
2- في مصر:
لا يذكر المؤلف تاريخ وصوله إلى مصر في رحلة العودة، مع العلم أن خروجه من المدينة المنورة في اتجاه جدة كان يوم 10 جمادى الأولى عام 1314 هـ / 1897 م، ومن جدة ركب سفينة أرست به مع الركاب في السويس، ومن هذه المدينة توجه إلى الاسكندرية بواسطة القطار "بابور البر"، وبها نزل ضيفا على الشيخ الفقيه أحمد حمز بن الشيخ الحسن حمز.
ولما علم الناس بخبر وجوده بالاسكندرية، وخصوصا العلماء منهم، أتوا للتعرف عليه، وفي مقدمتهم إمامهم في العلم الشيخ عبد الرحمان الأبياري الذي دعاه إلى بيته، وأكرمه، وأهدى له: "حاشية الباجوري
على شرح ابن قاسم الغزفي" في مجلدين، (46) كما أكرمه أيضا الشيخ مصطفى محمد الدريني، وأهدى له "الفتاوي الكبرى" للإمام ابن حجر الهيثمي في "فقه الإمام الشافعي" و "رسالة الشافعي في الأصول". (47)
والواقع أن لائحة الفقهاء والعلماء الذين أهدوا له نسخا من خزانة كتبهم تطول، ونكتفي بذكر بعض أسماء الكتب الأخرى التي أهديت له في الاسكندرية كعربون على تقدير علماء هذه المدينة المصرية له مثل:
* المصباح في علم اللغة.
* شرح الخطيب الشربيني على متن أبي شجاع في فقه الشافعي.
* مختار الصحاح.
* حاشية الشمائل.
* حاشية على بردة البوصيري.
* تبويت الأشباه والنظائر في فقه أبي حنيفة.
* إرشاد الساري لأبي العباس القسطلاني. (48)
وقد أجاب محمد يحيى الولاتي وهو بالاسكندرية على ثلاثة أسئلة:
الأولى: حول وحدة الوجود التي يقولها بعض المتصوفة.
الثانية: علم الباطن والحقيقة هل هو مخالف لعلم الظاهر والشريعة"؟
* جواب السؤال الأول:
من الواضح أن جواب المؤلف على هذا السؤال المعقد بطبيعته تطلب منه جهدا كبيرا، وما كان بإمكانه أن يصول ويجول فيه لولا اطلاعه الكبير على علوم الشريعة الإسلامية، وهو الجواب الذي شغل ثلاثة وعشرين صحفة، وأتى مدعما بالكثير من الحجج القرآنية، والحديثية، والفقهية.
يفهم من جواب فقيهنا الولاتي أنه لا يقول بوحدة الوجود، ولا يومن بها، على غرار الأغلبية الساحقة من الفقهاء وشيوخ التصوف السنيين الذين يعتبرون مثل هذا الاعتقاد كفرا بالله.
وقد استحضر المؤلف أمثلة من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وأقوال بعض شيوخ التصوف، مثل ابن عربي، والحلاج، وغيرها، التي توحي من حيث الشكل بأن المراد منها هو الإقرار بوحدة الوجود.
لكن المجتهد، في نظر الولاتي، وهو يحسن الظن بالمتصوفة يمكن أن يجد تأويلات ومعاني لهذه النصوص تبرئ ساحة الحلاج وغيره مما نسب لهم.
وهذه بعض الأمثلة المختارة من ضمن عدد كبير من النصوص، التي أوردها المؤلف في هذا الجواب، والتي يبرز من خلالها وجهة نظره.
إن دليل إثبات وحدة الوجود في زعم البعض، يقول "صاحب الرحلة" هو قوله تعالى: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق". (49)
فقالوا: إن الضمير في أنه الحق راجع إلى المرئي الذي هو المخلوق، وفي ظاهر هذه العبارة من الشناعة مالا يخفى على ذي بصيرة، ولكن الذي يعطيه حسن الظن بهم، أنهم لا يريدون ظاهرها، بل مرادهم أن المرئي للناظر فيه بالنظر الصحيح المصيب إذا تأمل ما فيه من آيات الله أنه المرئي، مجلى الحق تعالى، فيستدل به على أنه تعالى هو الواحد الحقيقي، الذي ليس في الوجود على الحقيقة سواه. (50)
واستدلوا أيضا على الوحدة المذكورة – يقول الولاتي – بالحديث القدسي، وهو قوله (ص) حاكيا عن ربه: "لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها... الحديث..."، فقالوا: إنه يدل على وحدة الوجود، ومع أن ظاهر قولهم كفر، فيتعين علينا – يضيف المؤلف – أن نحسن الظن بهم، بأن نؤول قولهم بأن المراد بالوحدة عندهم أن العبد إذا أحبه الله تعالى كانت جوارحه متحدة مع طاعته. (51)
أما قول الحلاج: "أنا الحق"، فتأويله في رأي المؤلف، يعني أن صورة جسمه وما ركب فيه من الآيات والمعاني والأسرار مجلى للحق تعالى كسائر المخلوقات، أي يستدل بالنظر فيها وبما فيها، من الآيات على وحدانية الله تعالى، وأنه هو خالقها ومصورها.
وقد ختم الولاتي كلامه في هذا الجواب بالقول بوجوب حسن الظن بالأولياء، والنصيحة للمسلمين في شأنهم، والتماس أحسن المخارج مما يقتضيه ظاهر ألفاظهم، خصوصا وأن ابن عربي قال: "نحن قوم تحرم مطالعه كتبنا إلا لعارف باصطلاحنا". (52)
* جواب السؤال الثاني:
يقول الولاتي: سئلت أيضا عما يذكر علماء التصوف من علم الباطن والحقيقة ما هو حقيقته عندهم؟ وهل هو مخالف لعلم الظاهر الذي هو علم الشريعة أولا؟ وهل طريق الكشف في الإلهام معتبرة عند الفقهاء أهل السنة أولا؟
استهل المؤلف جوابه بالتعريف بعلم الباطن والحقيقة، فأفاد بأن علم الباطن، وعلم الحقيقة، والطريقة، والعلم اللدني، وعلم الموهبة، وعلم الإلهام، وعلم التصوف، ألفاظ مترادفة، وعبارات العلماء في التعبير عن علم الباطن مختلفة، لكن مآلها واحد، مستشهدا في ذلك بابن عربي، وابن خلدون، (53) والسهر وردي، والقشيري، والغزالي، (54) وأحمد التجاني. (55)
لكن ما الفرق بين الشريعة والحقيقة؟
يجيب الولاتي: بأن الشريعة هي علم اليقين والحقيقة هي عين اليقين، وأورد نصا في الموضوع لابن حجر في "الفتاوي الحديثية".
يقول النص: "اعلم أن اليقين هو نهاية المعرفة، ومراتبه ثلاثة: علم اليقين: وهو ما ينشأ عن النظر والاستدلال، وعين اليقين: وهو ما يكون عن طريق الكشف والنوال، وحق اليقين: وهو مشاهدة الغيب مشاهدة العيان كما يشاهده الرائي.
فالأول: للأولياء أي العلماء حملة الشريعة، والثاني: لخواصهم أي العارفين بالله تعالى، والثالث: للأنبياء، وحقيقته اختص بها نبينا محمد (ص). (56)
أما طريق الكشف والإلهام فلا تعتبر شرعا، يقول الولاتي:
ولا يثبت بها حكم، ولا تقيد حكما شرعيا ولا تخصصه، ولا تبينه.
أما تعريف الإلهام عند الصوفية، حسب نفس المصدر فهو الكشف الصحيح السلم من إلقاء الشيطان، لكن حكمه ملغى شرعا عند عامة الفقهاء أهل السنة، والمحققين من المتصوفة، وفي مقدمتهم ابن السبكي. (57)
3) في تونس: (58)
حل محمد يحيى الولاتي بتونس قادما من القاهرة على متن القطار، ولم يذكر لا تاريخ الخروج من مصر ولا تاريخ الوصول إلى تونس، وكان نزوله كما يذكر في زاوية الشيخ سيدي أحمد التجاني المسماة "بزاوية سيدي إبراهيم الرياحي"، فرحب به مقدم الزاوية، وأنزله في بيته، وأضافه ضيافة حسنة، كما رحب به أصحاب الشيخ كلهم، وتنازعوا فيه أيهم يتولى ضيافته وإكرامه، وشاركهم في ذلك أعيان تونس على حد قوله، وقد أقام بتونس شهرين وعشرين ليلة، أنشأ خلاها قصيدة شعرية في مدح "صاحب الزاوية"، وأجاب على أسئلة سائليه.
وممن أهدى له كتبا ونقودا بالمناسبة، محمد كائج، أهدى إليه نسخة من "شرح القسطلاني" في عشرة أجزاء بالمطبعة الميرية، وبهامشها النووي على مسلم، وعشر نسخ من "شرح ميارة الكبير على "منظومة ابن عاشر"، وعشر نسخ من "شرحه الصغير" عليها، وثلاثا وعشرين نسخة من "دلائل الخيرات" بالمطبعة الاصطنبولية، بعضها مطلي بماء الذهب.
وجمع له، يقول المؤلف، زيادة على الكتب، من عنده ومن عند غيره من الإخوان خمسا وأربعين لويزة ذهب من السكة الفرنسية، أما السيد العربي بن الشيخ فأهداه لويزات ذهب و"حاشية" على "مختصر السعد" في جزأين، وأكرمه محمد السنوسي بن عثمان بخمس لويزات، وكتاب "المواهب اللدنية" في جزءين، وكتاب "المجلة" في جزء، وأهدى له الشيخ سالم أبو حاجب "حاشية على الأشموني" في جزأين. (59)
والواقع أن اللائحة طويلة بمثل هؤلاء الأفاضل الذين أكرموه، واعتنوا به هذه العناية الفائقة، وقدموا له هدايا من أنفس ما يملكون، نظرا لما وجدوا فيه من ورع وتقوى واطلاع كبير على العلوم الإسلامية، نقلية وعقلية، مكنته من الإجابة على كل الأسئلة الموجهة إليه باقتدار وإقناع.
وقد دون محمد يحيى الولاتي في "رحلته" أجوبته على سؤالين هامين طرحا عليه بالديار التونسية من قبل أهل العلم كما يقول.
* السؤال الأول: (60)
ما هو الحكم الشرعي في ضرب السلك المسمى بالتلكراف، هل يثبت به هلال رمضان وشوال وذي الحجة أولا؟
* السؤال الثاني: (61)
ما هو الحكم الشرعي في قيام جماعة الذكر في تلاوة الورد عند لفظ معين من أذكار الورد، والقيام عند قراءة المولد الشريف وعند مدح النبي (ص) عند لفظ معين أيضا، هل هذا القيام سنة أو بدعة؟
* الجواب على السؤال الأول:
أجاب المؤلف على هذا السؤال بما يفيد عدم ثبوت الهلال بهذه الوسيلة، وكتب في ذلك تأليفا سماه: "حسام العدل والإنصاف في إبطال شهادة رؤية النار وسماع صوت المدفع، وضرب التلغراف".
وكعادته، فقد أطلق محمد يحيى الولاتي العنان بقلمه، وامتد الجواب على سبع عشرة صفحة، مستدلا في أقواله بالكتاب، والسنة، وآراء الفقهاء.
ونقدم في ما يلي فكرة مجملة عن جواب صاحب الرحلة.
وقبل تقديم هذا الجواب لابد من لفت الانتباه إلى أن المؤلف علم من خلال السؤال نفسه أن هذه الفتوى نفسها رفعت إلى الشيخ عليش المصري، فأفتى بجواز رؤية الهلال بالتلغراف، معتمدا على فتوى في الخطاب. وأضاف محمد يحيى الولاتي "مؤلف الرحلة"، أنه رأى في "الرهوني" ناقلا عن "المعيار" أن ابن سراج أفتى بثبوت الهلال برؤية النار عند الرائين لها إذا كانت للإعلام بثبوته عندهم عادة، وأفتى الرهوني – يضيف المؤلف -، بأن سماع صوت المدفع يثبت به الهلال أيضا عند السامعين له، إذا اعتيد ضربه لذلك، (62) وكان جواب الولاتي كما قلنا: أن هذه الوسائل "التلغراف، المدفع، النار"، لا يثبت بها الهلال، لعدة أسباب:
أ- أن الله تعالى وضع لإيجاب الصوم، والإفطار، والحج، أحد ثلاثة أسباب معينة منضبطة: الرؤية العامة أو رؤية البينة، أي: العدلين، أو المستفيضة، أو كمال عدة الشهر ثلاثين.
أما النص على ثبوت الهلال بالرؤية العامة أو كمال العدة ثلاثين، فحديث ابن عمر، رضي الله عنهما أن رسول الله (ص) قال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإنه غم عليكم فاقدروا له" رواه مالك في الموطأ والشيخان. (63) وحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي (ص) قال: "لا تصوموا حتى توا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
رواه مالك في "الموطأ".
كما أورد المؤلف أحاديث أخرى في الموضوع مروية عن أبي هريرة وابن عمر. (64)
وأما النص على ثبوت الهلال برؤية عدلين، فقوله (ص): إذا شهد عدلان فصوموا وأفطروا وأنسكوا". (65)
ب- أن إيجاب الصوم أو الإفطار بمجرد ضرب التلغراف، أو سماع صوت المدفع، أو رؤية النار، مخالف لقاعدة شرعية أخرى، وهي أن السبب الذي قرره الله كرؤية الهلال، أو كمال العدة ثلاثين، وقرر له أي وضع له مسببا معينا، كإيجاب الصوم أو الإفطار، لا يجوز لأحد أن يزيد فيه بأن يضيف إليه سببا آخر لذلك السبب المعين، ولا يجوز له أن ينقص منه.
ج- أن العمل بمجرد التلغراف، أو سماع صوت المدفع، أو رؤية النار، مخالفة لقواعد شرعية أخرى، وهي أن ما ثبت بيقين لا ينتقل عنه إلا بيقين، ومعنى ذلك: أن الحكم الشرعي آخر إلا بدليل متيقن لا يجوز الانتقال عنه إلى حكم شرعي آخر إلا بدليل متيقن، فجواز الإفطار مثلا في شعبان قبل ثبوت هلال رمضان ثابت بدليل متيقن، فلا يجوز الانتقال عنه إلى إيجاب الصوم إلا بدليل متيقن هو الرؤية العامة، أو رؤية البيئة، أو كمال العدة ثلاثين. (66)
* الجواب على السؤال الثاني:
سئلت، يقول محمد يحيى الولاتي، وأنا بتونس عن الحكم الشرعي في قيام جماعة الذكر في تلاوة الورد عند لفظ معين من أذكار الورد، والقيام عند قراءة المولد الشريف، وعند مدح النبي (ص) عند لفظ معين أيضا، هل هذا القيام سنة أو بدعة؟
وسئلت عن القيام للتسليم على الشخص الداخل عليك، أو الوارد عليك، هل له أصل في السنة أو لا؟وعن الحكم الشرعي فيه جملة وتفصيلا. (67)
جوابا على هذا السؤال يرى المؤلف أن القيام في حالة تلاوة الورد عند لفظ معين يعتبر بدعة أدنى مراتبها الكراهة، وكذا القيام في حالة قراءة المولد الشريف، وفي حال مدح النبي (ص) عند اللفظ المعين إذا كان عن قصد واعتياد يرونه من سنة الورد، أو من سنة المولد الشريف، أو من سنة مدح النبي (ص)، وذلك من ثلاثة أوجه:
* الوجه الأول: أنه لم يرد عن النبي (ص)، ولا عن الصحابة رضوان الله عليهم القيام في حالة تلاوة القرآن، أو في حالة إنشاد حسان، أو كعب بن مالك لمدح رسول الله (ص)، فلم يرو عن الرسول أنه قام عند ذلك، ولم يرو عن أحد من الصحابة أيضا القيام لا في حيا النبي (ص) ولا بعد وفاته (ص)، ولذلك يضيف المؤلف فإنها بدعة محدثة. (68)
* الوجه الثاني: هو أن تخصيص اللفظ المذكور في الورد، أو في المولد الشريف، أو في مدح النبي (ص) بالقيام بشبه تخصيص لفظ آية السجدة من القرآن، وفي ذلك من القبح والذم ما لا يخفى عن ذي بصيرة، يضيف الولاتي. (69)
* الوجه الثالث: هو أن الشرع شهد بإلغاء جنس القيام وهو الركوع والسجود لغير الله، لأنه ركن من أركان الصلاة، فكما يحرم السجود لرسول الله (ص) تعظيما له فكذلك يحرم القيام له عند قراءة الصلاة عليه، أو قراءة مولده الشريف، أو إنشاد مدحه. (70)
وفي حالة ما إذا وجد من يعترض على هذا الرأي مستشهدا بقوله تعالى: "الذين يذكرون اله قياما وقعودا وعلى جنوبهم"، (71) فإن فقيهنا الولاتي يرى أن حجة المعترض في هذه الآية لاغية، لأن مضمونها يدل على مدح الذاكرين الله تعالى في حال القيام، وحال القعود، وحال الاضطجاع على الجنب، من غير تخصيص بلفظ من الذكر، ولا بوقت مخصوص، ولا بورد مخصوص، ومن غير تحليق واجتماع لذلك. (72)
أما مسألة القيام للشخص عند التسليم عليه وتلقيه؟
فقد أفاد المؤلف أن هذا القيام وردت في السنة الصحيحة أحاديث في النهي عنه، وأحاديث في الإذن فيه.
من الأحاديث الواردة في النهي عنه، التي استدل بها المؤلف، حديث أبي أمامة الذي قال: خرج علينا النبي (ص) متوكئا على عصا، فقمنا له، فقال: "لا تقوموا كما تقوم الأعاجم بعضهم لبعض"، ثم حديث عبد الله بن بريدة الذي روى أن أباه دخل على معاوية فأخبره أن النبي (ص) قال: "من أحب أن يتمثل له الرجال قياما وجبت له النار". (73)
الأحاديث الواردة في الإذن في القيام المذكور أورد منها الولاتي حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: " كان رسول الله (ص) إذا رأى فاطمة بنته أقبلت رحب بها، ثم قام فقبلها، ثم أخذ يدها حتى يجلسها في مكانه، ثم حديث أبي هريرة الذي قال: "كان النبي (ص) يحدثنا فإذا قام قياما حتى نراه قد دخل". (74)
وبما أن المسألة تعارضت فيها الأحاديث الصحيحة، واختلفت فيها أقوال العلماء، فقد خلص محمد يحيى الولاتي إلى القول: بأن القيام للقادم من سفر والقيام للتهنئة، والقيام للبر والإكرام، والقيام للعطف والشفقة لا بأس به إذا كان المقوم له لا يتعاظم به، ولا يدخله منه كبر.
والقيام المنهي عنه هو القيام للشخص عند رؤيته مقبلا لتعظيمه، والقيام على رأس الرجل وهو قاعد تعظيما له، والقيام له عندما يقوم منصرفا تعظيما له لا لقصد توديعه، والله أعلم. (75) يقول المؤلف.
* خاتمة:
كانت هذه باختصار هي أهم الأفكار والمعلومات التي استطعنا استخراجها من "رحلة الولاتي" بخصوص دور "الرحلة الحجية " في تمتين الروابط الثقافية بين البلدان الإسلامية في نهاية القرن 19، حيث استمر التواصل الثقافي والروحي بين بلدان المغرب والمشرق الإسلامي، كما كان عليه في الماضي القريب والبعيد. وكان "للرحلة" بشكل عام، والرحلة الحجية بشكل خاص، حظ وافر في الحفاظ على استمرار هذه العلاقات...
فاس – أحمد الأزمي
ـــــــــــــــــ
1) تجدر الإشارة في بداية العرض إلى أن هذه الرحلة منشورة، أخرجها وعلق عليها الدكتور محمد حجي، وعمل على نشرها معهد الدراسات الإفريقية بالرباط سنة 1990.
2) حسين محمد فهيم: أدب الرحلات / عالم المعرفة العدد – 137 / يونيو 1989 – ص 89.
3) سورة العنكبوت – الآية: 20.
4) سورة آل عمران – الآية: 137.
5) سورة غافر – الآية: 21.
6) الحسن الشاهدي: أدب الرحلة بالمغرب في العصر المريني / منشورات عكاظ 1990 – ج: 1 – ص: 67 وما بعدها.
7) نفسه.
8) محمد المنوني: من حديث الركب المغربي / تطوان 1953 – ص: 8.
9) حقق هذه الرحلة وقدم لها الأستاذ محمد الفاسي، وتحمل عنوان: أنس الساري والسارب / فاس 1968.
10) ماء الموائد: طبعة حجرية.
11) ذكرها وعرف بها الأستاذ الدكتور هاشم العلوي القاسمي في بحث له تحت عنوان: بلاد الحجاز والحرمين الشريفين بعيون الرحالة المغاربة خلال ق 13م / 19م، منشور بدعوة الحق / عدد 348 – دجنبر 1999 – ص: 24 وما بعدها.
12) نفسه.
13) نفسه.
14) محمد المنوئي: المصادر العربية لتاريخ المغرب / الرباط 1989 – ج: 11 – ص: 117.
15) محمد يحيى الولاتي: الرحلة الحجازية / تخريج وتعليق: الدكتور محمد حجي / الرباط 1990 – ص: 8.
16) فتح الشكور في معرفة أعمان علماء التتكرور: دار الغرب الإسلامي – تحقيق: محمد إبراهيم الكتاني ومحمد حجي / دار الغرب الإسلامي – بيروت 1981.
17) منية المحيد في الطريقة التجانية / تونس – د.ت.
18) بغية المستفيد لشرح منية المريد: دار الفكر 1973.
19) الوسيط في تراجم أدباء شنقيط / القاهرة 1958.
20) محمد يحيى الولاتي: الرحلة الحجازية / و.س – ص:9.
21) نفسه: ص: 7 – 8.
22) كان خروج المؤلف من "ولاته" يوم 7 رجب 1311 "الرحلة ص 17"، وفي 5 رمضان 1312 غادر شنجيط قاصدا وادي نون "الرحلة ص: 86ّ".
23) محمد يحيى الولاتي: الرحلة الحجازية، م، س، ص: 167.
24) نفسه: ص: 168، ثم 186.
25) نفسه: ص: 175.
26) نفسه.
27) نفسه.
28) سورة طه – الآية: 5.
29) محمد يحيى الولاتي: الرحلة الحجازية / م، س – ص: 175.
30) نفسه: ص: 176.
31) نفسه: ص: 178.
32) نفسه: ص: 182 – 183.
33) سورة الإسراء – الآية: 111.
34) سورة المومنون – الآية: 91.
35) سورة الصافات – الآيتان: 151، 152.
36) محمد يحيى الولاتي: م، س / ص: 184.
37) نفسه: ص: 199.
38) نفسه: ص: 199 وما بعدها.
39) نفسه: ص: 200 وما بعدها.
40)نفسه: ص: 201 وما بعدها.
41) محمد يحيى الولاتي ص: 203.
42) نفسه: ص: 204 وما بعدها.
43) نفسه: ص: 204 – 205.
44) نفسه: ص: 205.
45) نفسه: ص: 204.
46) محمد يحيى الولاتي ص: 214.
47) نفسه: ص: 216.
48) نفسه: ص: 216.
49) سورة فصلت الآية: 53.
50) محمد يحيى الولاتي: الرحلة الحجازية / م. س – ص: 218 – 219.
51) نفسه: ص: 220 – 221.
52) نفسه: ص: 240.
53) نفسه: ص: 242 – 243.
54) نفسه: ص: 244.
55) نفسه: ص: 245.
56) نفسه: ص: 246.
57) محمد يحيى الولاتي: ص: 262.
58) نفسه: ص: 273.
59) نفسه: ص: 275.
60) نفسه: ص: 284.
61) نفسه: ص: 300.
62) محمد يحيى الولاتي: ص: 285.
63) نفسه: ص: 286.
64) نفسه.
65) نفسه: ص: 287.
66) محمد يحيى الولاتي: ص: 291.
67) نفسه: ص: 300.
68) نفسه: ص: 301.
69) نفسه: ص: 302.
70) نفسه: ص: 303.
71) سورة آل عمران – الآية: 191.
72) محمد يحيى الولاتي: الرحلة الحجازية / م. س – ص: 303.
73) محمد بن يحيى الولاتي: ص: 304.
74) نفسه: ص: 304.
75) نفسه: ص: 312.
76) محمد الفاسي: في مقدمته "لكتاب الإكسير في فكاك الأسير" لمؤلفه: محمد بن عثمان المكناسي / الرباط 1965 – ص. خ وما بعدها.