ولاته التاريخية: كنوز من الذاكرة الشعبية - الحلقة الأولى

الحلقة الأولى من مداخلة عالى بن مروان فى مهرجان شنقيط للمدن القديمة 

لا يجادل أحد في كون الروايات التأسيسية التي ارتكزت عليها حواضر ولاته، شنقيط. تيشيت و وادان ،متشابهة أو تكاد. وذلك بفعل هيمنة التفكير الفطري الذي ينزع إلى التسليم -أحيانا دون تمحيص- بكل ما يمت بصلة للروايات التقليدية وما تحفل به من الملكات الغيبية أو الأسطورية.

فنحن نعتمد اليوم في تأريخنا لبناء هذه المدن على روايات شفوية، أبطالها شخصيات أسطورية أحيانا، وفي أحسن الأحوال على الإشارات أو المعلومات التي سطرها بعض الرحالة الجغرافيين الذين مروا بالمنطقة سواء كانوا عربا أو غيرهم أو شهادات دونها أشخاص غير مختصين وبعيدين كل البعد عن الفضاء المستهدف. وتتقاطع هذه الروايات ، وتكاد تكون مجمعة على أن هذه المدن ولاته شنقيط. تيشيت و وادان ، نشأت في ظرف زمني متقارب جدا ( الخامس أو السادس الهجري) . لكن كيف لنا أن نتحصل على ضبط زمني قريب من الدقة لما سلف؟

لا شك أن تحديد طبيعة الأثر واصله يتطلب منهجية تاريخية لن نخوض فيها، إلا أنه من أبجديات المعلومة التاريخية المقنعة،هي نتائج البحث الأثري ومن أهم هذه العمليات هي الحفريات التي لها قواعد لا تستقيم إلا بها.

والكل يعلم أن المجهودات التي بذلت في هذا النطاق ضئيلة لا تكاد تذكر، إذ لا يصل ما تم حفره من المواقع على امتداد التراب الوطني أكثر من 5% وهنا يمكن أن نجزم بأن هذه المعطيات معرضة في أي وقت إذا ما تم توسيع دائرة الحفريات إلى إمكانية التشكيك أوحتى الانهيار لدى ثبوت معطيات جديدة.

ويتأسس بناء هذه المداخلة على المحاور الآتية:

-ولاته النشأة ( بيرو، إبولاتن)

- كنوز الذاكرة الشعبية

- جهود الحماية والتثمين

I   – ولاته:  النشأة ( بيرو، إبولاتن ولاته)

الموقع: تقع مدينة ولاته في أسفل الجرف الجنوبي لموريتانيا وهي تبعد 80 كلم شمال مدينة النعمة و300 كلم جنوب شرق تيشيت، و400 كلم غرب تمبكتو، فهي بذلك تقع ضمن الساحل الصحراوي.

وتجمع الروايات الشفوية والمكتوبة على أنها بنيت من طرف الزنوج السوننكيين، حوالي القرن الخامس الميلادي في صورة قرية تابعة لمملكة غانا، تدعى بيرو، ولا نعرف عن هؤلاء السوننكيون إلا أنهم ربما نزحوا إليها من غانة، أما كلمة بيرو فتعني عندهم البوابة، وربما كانت تحريف لكلمة بير. إذ يذكر لنا أحد الحراس الذي رافق كابولاني والضابط بيكار في مهمتهم إلى ولاته 1901 م أنه قبل، كانت بها دور مبنية كما في جني وكان بها سوقين يباع فيمها الماء النقي ، وذلك أنهم يعتبرون مياه الأمطار آ سنة وتوجد عدة قرى بهذا الاسم كبيربافاا، وبيرو أخرى قرب أنيورو.

وأول من أستوطنها من العرب المسلمين هو يحي الكامل بن شعيب وصلها في  القرن السادس الهجري رفقة جماعة منها ابنه محمد ومؤذن وطالب علم وحداد، يذكر أنه كان متخفيا في طريقه فسمي بالمحجوب، وفي تعريف الشريف مرتضى الزبيدي ما نصه في تاج العروس: ولاته كسحابة مدينة من  المغرب الأقصى بينها وشنقيط عشرون يوما فيها قبيلة يقال لها لمحاجيب، ويذكر عن يحي الكامل أنه كان معاصرا لعبد القادر الجيلاني ( ت 651) إلا أن إشكالية دخول الإسلام تبدو متضاربة، ذلك أن بعض الروايات كما جاء في الرسالة الغلاوية للشيخ سيد محمد بن الشيخ سيد المختار الكنتي (ت 1243هـ) أن عقبة بن نافع وصل قرية بيرو وترك بها ابنه العاقل الذي ربما توفي بها ودفن بصحن المسجد وتفيد الروايات الأخرى  أنه في صحن المسجد قبر لأحد التابعين من أحفاد عقبة بن نافع ربما كان حبيب بن عقبة مما يعزز فكرة دخول الإسلام في منطقة الساحل منذ القرن الثالث الهجري، وهناك وسائط أخرى ربما كان لها دور في نشر الإسلام، كالرحالة الوافدين والوسطاء الذين كانوا يرتادون غانه أو قبائل مسوفه التي كانت تنتجع محيط المنطقة أو بقايا الفاتحين من المرابطين وغير بعيد عن هذا المد الإسلامي، هجرة أهل غانه إثر تعرضها لاجتياح المرابطين حيث يذكر لنا ابن خلدون  عن أسرة بني صالح العلوية  وقصة هجرتها إلى ولاته.

وازدادت أهمية المدينة في القرن السابع الهجري. وكان حكامها الزنوج أوثقوا معاهدات تجارية مع مسوفه، منها أنهم كانوا يحتفظون بمخازن الحبوب في بيرو وكانوا ممرا للقوافل المتجهة إلى السودان المعروفة بالمسالك التجارية، فعرفت آنذاك محاور ثلاثة تعتبر اتجاها عاما  لعدة طرق.

- كطريق اللمتوني او طريق الملح الرابط بين درعة شمالا وغانه جنوبا

- المحور الأوسط: الرابط بين اتوات و حوض النيجر جنوبا"

- المحور الشرقي: الطريق المتجه من غربالصحراء و السودان الشرقي  إلى السفانا واستمرت هذه المسالك نشطة على مدى سبعة قرون تأتي بالعروض من الشمال وترجع بمقابلها من الذهب والتوابل السودانية.

ولا نصل القرن التاسع والعاشر حتى يتحدد الدور الثقافي المتميز للمدينة بفعل هجرة علماء تمبكتو، الذين تضرروا من بطش صوني علي بير ملك السنغاي، ويذكر لنا عبد الرحمن السعدي في موضوع تاريخ نشأة تميكتو بعد اضمحلال بيرو  قائلا " وكانت عمارة تمبكتو خراب بيرو" أما ابن بطوطه الذي وصلها في 14 م ومكث فيها خمسين يوما نجده يسميها إيولاتن، وهذا الاسم الجديد ربما أطلقه عليها بربر مسوفه الذين أصبحوا ينتجعون المنطقة. ولا نصل القرن العاشر حتى تبدو لنا أولى أشكال التأليف في صورة مصنف حول شرح الأجرومية لـ سيد أحمد بن أند عبد الله ولد محمد الغيث المحجوبي كما ظهرت الحوليات وأشكال تدوينها في تلك الفترة (930هـ)

وكان لدخول الاستعمار دور كبير في ازدياد الوعي المدني فحدث انقسام بين مرحب به كالأعيان والتجار ومقاوم له كالعلماء والفقهاء، ورغم ذلك فإنه تم الاستيلاء على المدينة 1913 وظلت مركزا للإدارة الاستعمارية الفرنسية حتى سنة 1917 حيث تحولت إلى النعمه.