جامع الأمهات - المختصر الفقهي لابن الحاجب- عرض وتحميل

مختصر "جامع الأمهات" لابن الحاجب

يُعتبر المختصر الفرعي لأبى عمرو جمال الدين بن الحاجب (570 هـ - 646 هـ)، المسمى "جامع الأمهات"، من المختصرات الفقهية المالكية التي جمعت فروع المذهب بشمولية وإيجاز فى آن؛ إذ عرض فيه مؤلفه زبدة ما في الأمهات الفقهية التي تقدمته، مثل المدونة وغيرها، وهذا ما دفع العلماء من بعده، شرقا وغربا، إلى التنافس في خدمته حفظا وشرحا.

وقد سبق العلامة ابنُ الحاجب الشيخَ خليل بن إسحاق الجندي إلى هذا الإنجاز ولو أن « مختصر خليل » -الذى نسجه مؤلفه على منوال ابن الحاجب - حاز فيما بعد شهرة أكبر لدى المتأخرين، ونال الحظوة فى الأوساط التعليمية فى الغرب الإسلامي وبالأخص المحظرة الشنقيطية التى يبدو أنها لم تتعرف على المختصر الأول الذى وضعه ابن الحاجب.

التعريف بالمؤلف

 أبو عمرو عثمان ابن الحاجب هو الشيخ الإمام ، المقرئ، الأصولي، اللغوي، النحوي، كردي الأصل إسنائي المولد  (بلاد الصعيد) ، وكان أبوه حاجبا للأمير عز الدين موسك الصلاحي .

"كان من أذكياء العالم ، رأسا في العربية وعلم النظر ، درس بجامع دمشق ، وبالنورية المالكية ، وتخرج به الأصحاب ، وسارت بمصنفاته الركبان ، وخالف النحاة في مسائل دقيقه ، وأورد عليهم إشكالات مفحمة .  قال أبو الفتح في ترجمة أبي عمرو بن الحاجب : "هو فقيه ، مفت ، مناظر ، مبرز في عدة علوم ، متبحر ، مع دين وورع وتواضع واحتمال واطراح للتكلف". وقال ابن خلكان: "كان من أحسن خلق الله ذهنا ، جاءني مرارا لأداء شهادات ، وسألته عن مواضع من العربية ، فأجاب أبلغ إجابة بسكون كثير وتثبت تام ..."

وقد تخرج من مدرسته أئمة كثيرون، ويكفيه أن تخرج على يديه الجهابذة الكبار من أمثال العلامة الأصولي شهاب الدين  القرافي، والعلامة الفقيه المفسر ابن المنير. 

توفي رحمه الله في الإسكندرية في  السادس والعشرين من شوال سنة ست وأربعين وست مائة للهجرة.

 ابتكار فريد

وقد ابتكر العلامة ابنُ الحاجب أسلوبه فى الإختصار، مع منهج إصطلاحي فى الترميز والإشارة إلى المصادر وإلى أسماء فقهاء المذهب المعتبرين، فجاء كتابه فريدا  في السبك  والاختصار مع مستوى من الاستقصاء للمصادر المعتمدة، إلى حد يقارب التلغيز . وقد حاز إنجازه هذا إعجاب علماء عصره فى مصر والشام حتى قال أحد أئمة الشافعية "وددت أن لأصحابنا كتابا مثل مختصر "ابن الحاجب". ومثله قال كمال الدين الزملكاوي الشافعي : «ليس للشافعية مثل مختصر ابن الحاجب للمالكية»، و قال عنه العلامة ابن دقيق العيد : "هذا كتاب أتى بعجب العجاب، ودعا قصيّ الإجادة، فكان المجاب، وراض عصيّ المراد، فازال شماسته وانجاب، وأبدى ما حقه أن يبالغ في استحسانه، وتشكر نفحات خاطره ونفثات لسانه".

أما العلامة المؤرخ ابن خلدون رحمه الله فقال عنه: إن صاحبه "لخص فيه طرق أهل المذهب في كل باب، وتعديد أقوالهم في كل مسألة، فجاء كالبرنامج للمذهب".

قصَد ابن الحاجب من وضعه هذا المختصر جمع ما تقدمه من مسائل الفقه وفروعه ملخصة من أقوال علماء المذهب وكتبهم المشهورة، ومركزا على الراجح والمشهور...  وفي هذا يقول رحمه الله: "لما كنت مشتغلا بوضع كتابي كنت أجمع الأمهات، ثم أجمع ما اشتملت عليه تلك الأمهات في كلام موجز، ثم أضعه في الكتاب حتى كمل". ويذكر بعض أهل العلم ممن لهم عناية بالكتاب أن ابن الحاجب اختصر كتابه من ستين ديوانا، وأن فيه من المسائل ست وستون ألف مسألة.
وأما المسائل التي ينطوي عليها الكتاب فتوزعت فيه على خمسة عشرة كتابا هي: الصلاة، والزكاة، والحج، والأضحية، والجهاد، والنكاح، والظهار، والرضاع، والبيوع، والسلم، والأقضية، والشهادة، والدعوة والجواب المبين والنكول والبينة، والديات، ثم الكتاب الجامع لفروع مختلفة.
وإذا كان كتاب "النوادر والزيادات" لابن أبي زيد القيرواني جامعا لما تقدمه من أمهات كتب الفقه المالكي ، فإن كتاب جامع الأمهات اقتفى نفس النهج، مع ما يمكن اعتباره ميزة فيه كونه - مع كثرة ما حواه - صغير الحجم، فلا يقارن بحجم كتاب النوادر، وذلك أن المؤلف لم يعمد فيه إلى ذكر الأقوال المتعددة، وإن لم يكن خلوا منها، فإنه حاول الاقتصار على المشهور والراجح غالبا، ثم إنه لم يتكلف ذكر الأدلة من القرآن والسنة والآثار، بل جرّده من كل ذلك، أضف إلى ذلك اختصار اللفظ وتقليله، دون إخلال بالمعنى، أو غموض في الفهم. ومن حسن صنيع ابن الحاجب أنه نسب الأقوال إلى أصحابها، وجعل لكل كتاب من كتب مؤلفه عناوين فرعية، إلا مما لم تدعه الضرورة إلى ذلك؛ ليسهل الوقوف على جزئيات المسائل فيه.

وقد برع ابن الحاجب فى ابتكاره الإصطلاحي، الذى سيقتبس منه فيما بعد شيخنا خليل. ومن مصطلحاته فى عرض الأحكام والمسائل الفقهية: المشهور،  الأشهر،  الأصح، الصحيح، الظاهر والواضح والأظهر،  المنصوص،  المعروف،    الأحسن والأولى والأشبه والمختار والصواب والحق والاستحسان. ويشير فى عرض الأقوال المعتمدة إلى ظاهر المدونة وإلى مذهب العراقيين من أصحاب مالك ويستخدم مصطلحات كمثل "الجمهور والأكثر وأكثر الرواة والكثري أو جلّ الناس وفقهاء الأمصار"...

ونجد الشيح خليل يبين مصطلحات ابن الحاجب، قال رحمه الله: قاعدة ابن الحاجب وغيره من المتأخرين أن يستغنوا بأحد المتقابلين عن الآخر. ومقابل المشهور: شاذ، ومقابل الأشهر: مشهور دونه في الشهرة، وكذلك في الصحيح والأصح، والظاهر والأظهر، ويقابل المعروف بقول: غير معروف، ولم تطرد للمصنف - رحمه الله - قاعدة في مقابل المنصوص، فقد يكون منصوصا وقد يكون تخريجا وهو الأكثر. وكل ما قال: «فيها» فمراده المدونة وإن لم يتقدم لها ذكر وهو الأكثر... ولا يأتي بقوله:«فيها» في الغالب إلا لاستشهاد أو استشكال. وإذا قال:«ثالثها» فالضمير عائد على الأقوال المفهومة من السياق. وحيث أطلق الرواية: فالمراد فيها قول مالك، «والقول» يحتمل أن يكون للإمام وغيره.

شروح جامع الأمهات

ولما كان مختصر ابن الحاجب قد جمع ما جمع من أمهات كتب المذهب ؛ فإن العلماء أولوا جامع الأمهات كامل العناية، فقام كثير منهم بشرحه وإيضاح مشكلاته، واختلفت شروحهم كبرا وصغرا، فممن شرحه العلامة ابن دقيق العيد إلا أنه لم يكمله وتوقف عند باب الحج.

 ومن أهم الشروح المتداولة التي وضعت على  "جامع الأمهات" :

- شرح ابن عبدالسلام(ت749هـ) المسمى "تنبيه الطالب لفهم ابن الحاجب"،

- شرح ابن راشد القفصي(ت748هـ) المسمى "الشهاب الثاقب"

- وشرح الشيخ خليل بن اسحق الجندي (ت776هـ) المسمى "التوضيح"، وهو من أكثر شروح كتاب جامع الأمهات فائدة، وأجودها وأنفعها وأشهرها, قال ابن فرحون: وضع الله عليه القبول وعكف الناس على تحصيله ومطالعته. تتبع فيه المؤلف كتاب ابن الحاجب، فحل مشكلاته، ووضح مبهماته، معتمدا أقوال فحول علماء المذهب المبثوثة في كتبهم المشهورة، وعلى شروح الكتاب التي تقدمته؛ شرح ابن راشد القفصي (736هـ)، وشرح ابن عبد السلام الهوراي (749هـ)، وشرح ابن هارون الكناني (750هـ)، مع ما بثه فيه من علمه وفقهه، فصح أن يطلق على شرحه «جامع شروح جامع الأمهات». ونجد التنبكتي يقول عن الشيخ خليل : "وقد عكف الناس على مختصره وتوضيحه شرقا وغربا". ويكفى دليلا على اهتمام العلماء بالتوضيح كون جميع شرّاح مختصر خليل اعتمدوا على توضيحه، وأكثروا النقل عنه.

- كتاب "تسهيل المهمات في شرح جامع الأمهات" لبرهان الدين إبراهيم بن علي ابن فرحون اليعمري(ت799هـ)، جمع فيه هو الآخر ما تقدمه من الشروح على الكتاب، وبالإضافة إلى جمعه بين هذه الشروح فإنه يمتاز بالمقدمة الحافلة التي وضعها المؤلف بين يدي القارئ، جعلها مفتاحا يحل الاصطلاحات التي وظفها ابن الحاجب في مختصره، وتكشف عن منهجه فيه:

كشف النقاب الحاجب عن مصطلح ابن الحاجب

نظرا لأهمية مقدمة ابن فرحون المذكورة، وقيمتها العلمية الكبيرة في فهم الأصل وبيان مشكلاته، أشار ابن عرفة (الإبن)- محمد بن محمد بن عرفة على ابن فرحون – حيث عرض عليه هذا الأخير مؤلفاته لما نزل عنده بالمدينة في حجة سنة (ت772هـ)- بإفرادها عن الشرح؛ لينتفع بها على وحه الاستقلال، فشرح الله صدر ابن فرحون لذلك، فجعل مقدمة شرحه كتابا مستقلا وَسَمَهُ بـ "كشف النقاب الحاجب عن مصطلح ابن الحاجب"، وقد أضحت بالفعل مرجعا لا يستغني عنه الطالب المبتدئ، ولا الفقيه المنتهي.

يَضُمُّ "كشف النقاب" بين دفتيه تسعة عشر فصلا هي كالآتي: الفصل الأول في المشهور، والثاني في الأشهر، والثالث في الأصح، والرابع في الصحيح، والخامس في الظاهر والواضح والأظهر، والسادس في المنصوص، والسابع في التخريج والإجراء والاستقراء، والثامن في المعروف، والتاسع في الإجماع والاتفاق، والعاشر في المذهب، والحادي عشر في الجمهور والأكثر وأكثر الرواة والكثري أو جلّ الناس وفقهاء الأمصار، والثاني عشر في الأحسن والأولى والأشبه والمختار والصواب والحق والاستحسان، والثالث عشر في الروايات والأقوال وما يتعلق بذلك، والرابع عشر في قول ابن الحاجب: »ثالثها«، والخامس عشر في قوله: »رابعها«، والسادس عشر في قوله: »وفيها«، والسابع عشر في التنبيهات وما يتصل بها، والثامن عشر في بيان معاني ألفاظ وقعت في الكتاب، والتاسع عشر في بيان أسماء مبهمة وقعت فيه.

 

وأخيرا تجدر الإشارة إلى أن لابن الحاجب مختصرا آخر فى الأصول، يُعرف أيضا ب"مختصر ابن الحاجب"، وكثيرا ما نجد كُتابا يلتبس عليهم الأمر ويخلطونه بمختصر ابن الحاجب الفرعي الذي بين أيدينا. لذا أردنا التنويه.

 

تحميل جامع الأمهات لابن الحاجب - طبع دار اليمامة

تحميل التوضيح شرح مختصر بن الحاجب لخليل ابن اسحق _ المجلد الأول

تحميل كشف النَقاب الحَاجب من مصطلح ابن الحاجب لابن فرحون