حول التعاليم التأسيسية لخطبة الوداع

فى ذكرى حجة الوداع


خطب تأسيسية حافلة بالمعانى والقيم العظيمة، تلك التى خطبها النبي (ص) فى حجة الوداع. والظاهر من سياق أحاديث حجة الوداع أنه - عليه الصلاة والسلام - خطب ثلاث خطب فى مواقف مختلفة خلال تلك الحجة المشهودة. الخطبة الأولى كانت يوم عرفة، بجبل عرفة. وكان يوم جمعة. والثانية: يوم النحر بمنى. والثالثة: أوسط أيام التشريق بمنى.

و اليوم، ما أحوجنا إلي تذكر تلك المعاني الأصيلة ونحن في منعطف صعب وخطير تتداعي علينا فيه الأمم كما تتداعي الأكلة إلي قصعتها، ما أحوجنا إلي استرداد هويتنا وثقافتنا ووجه حضارتنا الإسلامي. .. ونحن نستقبل ايام عيد الاضحى المبارك ونتذكر وقوف الرسول الأكرم (ص) بعرفات وخطبته العظيمة، علينا ان نتدارس فيما بيننا كيف نعود إلى ذلك النبع الصافى وكيف نطبق وصية وأوامر رسولنا العظيم صلوات الله عليه وسلامه.

1) يوم عرفة التاسع ذى الحجة من السنة العاشرة للهجرة وقف النبي (ص) خطيبا فى جموع المسلمين الذين احتشدوا فى مشهد مهيب، وخطب فيهم خطبة بليغة وضع بها أعظم دستور عرفته البشرية على هدي كتاب الله تعالى، وذلك بكلمات جامعات مانعات، أدمت مقدمتها قلوب المؤمنين و لا شك قرحت مآقيهم ، وهم يسمعون رسولهم يودِّع هذه الدنيا، وقد كان إمامهم ونورهم طوال السنين.  حيث افتتحها بقوله: "أيها الناس.. اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا". لكنه -صلى الله عليه وسلم- طمأنهم في نهاية خطبته، وهو يقول لهم: "وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، أمرًا بينًا: كتاب الله وسنة نبيه. وفى ثنايا خطبته، بين رسول الله صلي الله عليه وسلم الحقوق والحرمات، ووضع مآثر الجاهلية تحت قدميه.  كما أوصى فيها بالنساء خيرا، ودل الناس على سبيل العصمة من الضلال، ثم أشهدهم على بلاغه فشهدوا في ذلك الجمع العظيم شهادة ما اجتمع حشد مثله يشهدون على مثل ما شهدوا عليه،

ومما جاء فى خطبته تلك في تلك الجموع العظيمة:

"أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله..

اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم أشهد، اللهم أشهد، ثلاث مرات".

وفى هذه الخطبة الموجزة من المعاني شيء عظيم، فهي بينت أسس ومعالم الدين الحق، وجمعت الأصول التي فيها صلاح الناس في معاشهم ومعادهم، من تحريم الدماء وصون الأموال، وجعل حرمتها كحرمة الشهر الحرام، والبلد الحرام، ويوم عرفة. وفيها كذلك إلغاء شعائر الجاهلية وشعاراتها. وإبطال الثارات التي كانت بين القبائل في جاهليتهم. وإلغاء تقليد الثأر من أساسه، إذ حل محله القصاص العادل، مع تقرير أنه "لا تزر واورة وزر أخرى".

كما أسس للعدل فى المعاملات ووضع حدا للربا الذي كان منتشراً بينهم، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس؛ وذلك ليكون قدوة في هذا الشأن يبدأ بنفسه وآله في تنفيذ الأوامر الربانية، فإن ذلك أدعى لقبول الناس، وتلك هي طريقة الأنبياء - عليه السلام - كما قال شعيب - عليه السلام -: "وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب  {هود: 88}.

وأسس أيضا للرقي الإجتماعي. بأن أفرد الوصية بالنساء وبيان مالهن من الحقوق، وما عليهن من الواجبات وذلك فى نفس المقام الذى أكد فيه على الوصية بكتاب الله - عز وجل - ولزوم التمسك به.

الحقائق التى تناول الرسول صلى الله عليه وسلم فى هذه الخطبة، وأعلنها نحتاج نحن الآن بعد مرور تلك القرون والأزمان إلى مدارستها وتذكير المسلمين بها بعد ان تباعد بيننا وبين تلك الأسس والمبادىء ما طرأ على المسلمين من تبديل وتغيير أصابهم فى مقتل وحرفهم عن اصول دينهم فنرى انهار الدماء تسيل بإيدى مسلمين فى بلاد الاسلام ونرى الربا الجائر مهيمنا على أغلب التعاملات المالية بين المسلمين، ونرى حقوق البشر يتم انتهاكها عيانا جهارا ونرى الظلم يلحق بالفقراء فى حين يكدس الفاسدون الاموال العامة ويحتكرونها لأنفسهم. بينما النساء، وهن نصف المجتمع، يقع عليهن ظلم بين باسم الاسلام حينا وباسم التقاليد التى التصقت بالدين والدين منها براء احيانا كثيرة.

2) أما خطبته يوم النحر

فقد خطب - عليه الصلاة والسلام - خطبة عظيمة بليغة يوم النحر؛ نستشف بعض ما جاء فيها من أحاديث عدة منها:

1- حديث أبي بكرة- رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، أيُّ شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى، قال: أيُّ بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس البلدة؟ قلنا: بلى، قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، قال: فإن دماءكم وأموالكم - قال محمد وأحسبه قال - وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه - وكان محمد إذا ذكره قال: صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: ألا هل بلغت ألا هل بلغت".

2- حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع: "ألا، أيُّ شهر تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا شهرنا هذا، قال: ألا، أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا بلدنا هذا، قال: ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا يومنا هذا، قال: فإن الله- تبارك وتعالى -قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟ ثلاثاً، كل ذلك يجيبونه: ألا، نعم، قال: ويحكم أو ويلكم، لا ترجعنَّ بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض".

3- حديث جابر- رضي الله عنه - قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر فقال: "أي يوم أعظم حرمة؟ فقالوا: يومنا هذا، قال: فأي شهر أعظم حرمة؟ قالوا: شهرنا هذا، قال: أي بلد أعظم حرمة؟ قالو: بلدنا هذا، قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد".

4- حديث سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في حجة الوداع للناس: "أي يوم هذا؟ قالوا: يوم الحج الأكبر، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ألا لا يجني جان على ولده ولا مولود على والده، ألا وإن الشيطان قد أيس من أن يُعبد في بلادكم هذه أبداً، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم، فسيرضى به".

وفي رواية: "ألا إن المسلم أخو المسلم فليس يحل لمسلم من أخيه شيء إلا ما أحل من نفسه".

ويحسن أن نستخلص بعض التعاليم الجوهرية التى أكدت عليها هذه الخطب، ونلاحظ أنه (ص) استعمل أسلوب التكرار لترسيخ هذه التعاليم والتأكيد على أهمية الوصية ليحفظها الحاضر ويبلغها الشاهد الغائب، وتتناقلها الأجيال خلفا عن سلف:

- أولاً: تحريم الدماء، فحرمتها اشد الحرمات، ولعل تدمير الكعبة المشرفة أهون عند الله من دم مسلم يراق بغير وجه حقّ. وتقرير الملكية الخاصة وحُرمة أموال الناس وعدم المساس بها إلا بطيب نفس أى عبر العلاقات الطبيعية والتراضى. وكذلك أيضا حُرمة أعراض الناس. بخلاصة، تقرير حقوق الإنسان فى سلامته البدنية وسلامة أمواله واحترام كرامته وشرفة وعرضه. ولقد تكررت فى خطب النبي( ص) "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام حرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا.."  تذكير دائم من المصطفي صلوات ربي وسلامه عليه بحرمة الدماء البريئة التى ينبغي أن تصان ويجب ألا تهدر ...وتحريم الظلم بين العباد والتحذير منه.


- ثانياً: إعلان الأخوة العامة بين المسلمين، "إن كل مسلم أخ للمسلم وإن المسلمين اخوة فلا تظالموا..."  وما يترتب على تلك الإخوة من حقوق وواجبات، فهى ليست مجرد شعار عام ولكن يترتب عليها تحريم الظلم وتعظيم الدماء والأموال الخاصة. النبي (ص) نهى أن تكون الآصرة التي يتجمع عليها الناس هي آصرة الجاهلية أو علاقة القبلية أو القومية الضيقة (إن كل مسلم أخ للمسلم وإن المسلمين إخوة) هذه هي الوشيجة التي ينبغي أن تربط بين المسلمين وحيثما ابتعدنا عنها وصرنا إلي روابط قبلية أو قومية أو عرقية تنكبنا الطريق، إنها إشارة ذات معني إلي ضرورة التوحد والوحدة والتكامل بين المسلمين حتي إذا انفتحوا علي الأمم لم يذوبوا فيها بقدر ما يؤثرون فيها.

- ثالثاً: التطرق إلى الجوانب الاقتصادية ووضع ربا الجاهلية كله والبدء بربا عمه العباس بن عبد المطلب، لإعلان الحرية الاقتصادية بعيداً عن الاستغلال والمتاجرة بالآم الناس ومعاناتهم وتوليد رأس المال من رأس المال بعيداً عن الكدّ والتعب وبذل الجهد اللازم. كذلك أيضا  التحذير من الجاهلية، من حُكم الجاهلية، ومن حمية الجاهلية، ومن عادات وتقاليد الجاهلية، ومن ربا الجاهلية ومن ثأرات الجالية التى كان يروح ضحيتها الأبرياء فى مغالاة القبائل في الانتقام الجاهلي. فألغى بذلك تقليد الثأر من أساسه، إذ حل محله القصاص العادل، مع تقرير أنه  لا يجني جان إلا على نفسه، ولا يؤخذ أحد بجريرة غيره، مصداقا لقوله تعالى "لا تزر واورة وزر أخرى".

- رابعاً: الوصية بالنساء والحديث عن حقوقهن مقابل واجبات عليهن، وإعلاء قيمة المساواة بين الرجال وبين النساء، فليس للرجال حقوق دون واجبات فى المقابل، وهذا تقرير لحقيقة المساواة التى جاء بها الإسلام بين البشر فى أصل الخلق وفى وحدة التكليف الإلهى للجميع، فلا تمييز لصنف الرجال على صنف النساء. والإشارة إلى ضعفهن حتى يحترم الرجال تلك الوصية ويشعروا بأهميتها فليس هناك دعوة للصراع أو الثورة أو الحرب بين الرجال والنساء بل هو التكامل الإنسانى العظيم.

- خامساً: إعلان مصدر التلقى الوحيد، بعيداً عن تأويلات وتفسيرات الأشخاص الذين تسببوا فى تحريف ما سبق من رسالات الله تعالى وأضافوا إلى كتب الله السابقة.
فأعلن أن ما يلتزم به المسلمون فى تاريخهم إلى أن يلقوا الله هو كتاب الله وسنة نبيه، فهما الضمان من الضلال، وهما واضحان بينان. وقد تكفل الله تعالى بحفظ كتابه العظيم ،وبذل المسلمون والعلماء جهودا عظيمة لحفظ السنة النبوية المطهرة.

وياليت المسلمين اليوم يعون أهمية تلك التعاليم. أين نحن من وصايا رسولنا صلى الله عليه وسلم فى خطبة الوداع ؟ الربا هو قاعدة التعامل فى بلاد المسلمين والتحرر منه يحتاج إلى قلوب نقية من الاستغلال وعقول قادرة على الاجتهاد والابتكار وهمة قوية للانعتاق من أسر المؤسسات العالمية الربوية التى استنزفت ثروات المسلمين.
النساء يعانون أشد المعاناة فى بلادنا وظلمهن بالحرمان من حقوقهن والاجتراء عليهن فى الميراث وحق الحياة والتعليم .. الخ.

متعلقات

- في أسرار الحج ومقاصده

- فى فلسفة العيد..وآفاقه

- من معاني عيد الاضحى

- أعيادنا بين العادة والعبادة