أنوار البروق في أنواء الفروق

يهتم كتاب «الفروق المسمى " أنوار البروق في أنواء الفروق"» ، لصاحبه « أبي العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي الصنهاجي المصري » (ت684هـ)، بالقواعد الفقهية الكلية الكاشفة عن أسرار الشرع وحكمه ، والموضحة لمناهج الفتاوى، والمحققة للوحدة والتناسب بين الجزئيات الفقهية

ويقوم الكتاب على أسلوب المقابلة بين قاعدتين بينهما نوع من التشابه لإظهار الفرق بينهما ، بغية تيسير تحصيل القاعدتين المتقابلتين ، وتوضيح المجال الخاص بعمل كل منهما ، وتتميز قواعد الفروق بكونها قواعد فقهية عامة عملية مرتبطة بأبواب الفقه المألوفة وموضوعاته ، ومن الواضح أن هذا التناول ذو فائدة بالغة في تقنين الأحكام الفقهية الذي لا غنى عنه لوضع هذه الأحكام موضع التطبيق في الظروف الحديثة.

ولقد تميز إسهام فقهاء المالكية في علم القواعد والفروق والكليات والضوابط الفقهية تأصيلاً وتقعيداً وتأليفاً بالسبق التاريخي في مجال التصنيف في هذا اللون من العلوم، ويأتي  كتاب «أنوار البروق في أنواء الفروق» للإمام  القرافي ، في مقدمة ما ألف في هذا الفن.  وقد أبان  القرافي في كتابه هذا عن ملكة التمكن في الفقه وأصوله، ونفوذ البصيرة فيهما، خصوصاً وهو يتناول فيه جانب التأصيل لعلم الفروق من خلال الاستناد إلى دعامتين متكاملتين هما: القواعد الكلية، والمقاصد الشرعية.

وفي معرض حديثه عن السبب الباعث له على تأليف هذا الكتاب، قال في نهاية الفرق الثامن والسبعين: «إن القواعد ليست مستوعبةً في كتب أصول الفقه، بل للشريعة قواعد كثيرة جدًّا عند أئمة الفتوى الفقهاء لا توجد في كتب أصول الفقه أصلاً، وذلك هو الباعث لي على وضع هذا الكتاب لأضبط تلك القواعد بحسب طاقتي».

ولأجل هذه الغاية فقد ضمن القرافي مؤلفه هذا كل القواعد والضوابط الفقهية المتناثرة في كتابه «الذخيرة»، بل وزاد عليها قواعد كثيرة خصوصاً المعتمدة منها في المذهب، حيث بلغ عددها خمسمائة وثمانية وأربعين قاعدة، وقد قدّم لها بمقدمة عن علم أصول الفقه وفائدة القواعد ومعنى الفروق لغة واصطلاحا، ثم بدأ بقاعدة الفرق بين الشهادة والرواية وختم بالفرق بين قاعدة ما هو مكروه في الدعاء وقاعدة ما ليس بمكروه.

ومن دقة منهجه رحمه الله أنه يستهدف بيان الفرق بين قاعدتين، مع تفسير كل واحدة منها بالشرح والإيضاح وبما يناسبها من الفروع، كما أنه لا يكتفي فقط بذكر القواعد الفقهية والأصولية بل يعمد إلى التطبيق العملي لهذه القواعد عن طريق تناول بعض النوازل التي وقعت في عصره، وذكر ما يتعلق بها من أحكام فقهية وقواعد أصولية، وفي بعض المواطن يتعرض لذكر الفرق الواقع بين مسألتين من المسائل، وأهم ما يميز هذه القواعد كونها لا تختص بباب أو أبواب من الفقه بل تشمل الفقه كله، ومن معالم منهجه أيضاً توظيفه للأسلوب الحجاجي في عرض الفروق، من قبيل قوله: «فإن قُلتَ:...قُلتُ:....»، و«فإن قيل:...، قيل:...»، و«سؤال:...، جوابه:...»، و«إذا تقرر...، فإن...»، وغيرها، وفي معرض بيان قواعده يستدل كثيراً بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ثم يورد أقوال مالك أو ما تقرر في المذهب، ثم يأتي برأي بعض المذاهب الأخرى إن كان لأحدهم رأي مخالف لما عليه المذهب المالكي، وإذا لم يكن هناك مخالف فإنه يستعمل لفظ :«الإجماع»، وقد يقوم بمناقشة بعض الأقوال والترجيح بينها، أو الرد عليها، ولم يغفل في كتابه ذكرَ بعض الفروق اللغوية والشرعية، وشرح ما أشكل منها، والمعارضة بين الأقوال وأدلتها، والترجيح بينها مثل قوله:«والجواب الصحيح عندي...»، و«فهذا هو مدرك هذه المسألة على التحرير والتحقيق» وغير ذلك، وقد نظم القرافي مادة كتابه بأسلوب علمي رصين محكم، يقوم على انتقاء أجود العبارات، واستعمال اصطلاحات دقيقة ومختصرة.

وبتتبعنا للمصادر التي نهل منها القرافي، نجده قد استثمر الجهود السابقة عليه، وشحن كتابه بالنقول عنها، سواء من داخل المذهب أو من خارجه، فمن أمهات المذهب التي نقل عنها: الموطأ لمالك بن أنس (تـ179هـ)، والمدونة لابن حبيب (تـ240هـ)، والمعونة للقاضي عبد الوهاب(تـ422هـ)، والاستذكار لابن عبد البر(تـ463هـ)، والقبس لابن العربي(تـ468هـ)، والتبصرة للخمي (تـ478هـ)، والمقدمات الممهدات لابن رشد(تـ520هـ)، والتنبيهات للقاضي عياض(تـ544هـ)، والجواهر الثمينة لابن شاس(تـ616هـ)، وغيرها، كما تعددت نقوله عن المذاهب الأخرى كالشافعية، والحنفية، والحنابلة وغير ذلك، وتفاوتت درجة الاقتباس والنقل عنها حسب ما يقتضيه المقام.

وحظي هذا الكتاب باهتمام الفقهاء، ومن تجلِّيات هذا الاهتمام أيضاً حرص ثلة من العلماء على النقل عنه واعتماده في تآليفهم، نذكر من بينهم: ابن جزي (ت741هـ) في القوانين الفقهية، وابن فَرْحون (ت799هـ) في تبصرة الحكام، وشمس الدين محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي (ت977هـ) في الخصال المكفرة للذنوب، والوَنْشَريسي (914هـ) في المعيار، والحطاب الرُّعَيْني (ت954هـ) في مواهب الجليل، ومحمد بن علي الشوكاني (ت1250هـ) في البحث المسفر عن تحريم كل مسكر ومفتر، وأبو الحسن علي بن عبد السلام بن علي التُّسُولي (ت1258هـ) في البهجة في شرح التحفة... وغيرهم، وكل ذلك يدلّ على ذيوع الكتاب وانتشاره.

ومن تجليات أهمية هذا الكتاب أيضاً اهتمام العلماء المالكية وعنايتهم به ترتيباً، وتعقيباً، وتهذيباً واختصاراً، ومن هذه الأعمال نذكر: «ترتيب فروق القرافي واختصارها» للشيخ محمد بن إبراهيم البقوري (ت707هـ)، و«إدرار الشروق على أنوار الفروق» للإمام الفقيه أبي القاسم ابن الشاط (ت723هـ)، و«تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية» لمحمد علي بن الشيخ حسين المكي المالكي (ت1327هـ)، و«ترتيب مباحث الفروق للقرافي» لعبد العزيز بوعتور (ت1325هـ) جد الشيخ الطاهر بن عاشور التونسي.

وللكتاب طبعات أجودها الطبعة التي صدرت عن مركز الدراسات الفقهية والاقتصادية بمؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى: (1421هـ /2001م)، وطبعة ثانية عن نفس الدار بتحقيق عمر حسن القيام صدرت سنة (1429هـ/2008م)، وله طبعات أخرى منها التي صدرت عن دار إحياء الكتب العربية عام (1344هـ)، وطبعة دار الكتب العلمية بتحقيق خليل منصور صدرت سنة (1418هـ/1998م).


تحميل