موجز فى مبادئ التشريع الإسلامي وأدلته

يعتمد التشريع الإسلامي على مبادئ القسط والعدالة، ورعاية مصالح الخلق، والرحمة بهم، ويرتكز فى ذلك على علوم راسخة ومناهج فى الاستنباط، كما يمتاز بخاصية الربانبة، بعكس القوانين الوضعية القاصرة التى تطبعها الذاتية والعُرضة للتطويع من قبل الاقوياء ليشرعوا حسب أهوائهم.

مفهوم الفقه الإسلامي-الفقه لغة: الفهم.‏ ‏‏ وفي الإصطلاح: ‎"معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها التفصيلية"، من مصادرها (كالكتاب والسنة والإجماع والاجتهاد المبني على أصول). ‏و  يتسم الفقه الإسلامي بمستوى من السعة والحيوية والمرونة، بفضل الاجتهاد خاصة الجماعي منه-فى ظل شورى الفقهاء- ما يضفى على التشريع الاسلامي ميزة الثراء مع السلامة من الذاتية فى وضع التشريعات، ويكفل له القدرة ليكون نظام حياة للمجتمع الإسلامي يتسع لسائر شئونه الحياتية في الاقتصاد والأحوال الشخصية والسياسة وسائر معاملاته اليومية، على مستوى الدولة أو الأفراد. ‏

الاجتهاد في الفقه الإسلامي:‏
‏ يعتبر الاجتهاد من محاسن الدين الإسلامي وخصائصه، حيث أتاح حرية التفكير المنضبطة فأنتج هذا التراث الفقهي الإسلامي والذي يقدر بملايين الصفحات من الكتب الفقهية. ‏

‎‎ هذا الاجتهاد والذي هو: إعمال الفكر والرأي وتأمل العلوم والبحث فيها للوصول إلى الحق، هو الذي أوجد أيضاً أرضاً خصبة لنشوء العلوم الإنسانية والطبيعية في العصور الإسلامية الزاهرة. ‏

تعريف الاجتهاد:‏
‏ الاجتهاد هو استفراغ الوسع في الوصول إلى الحق والصواب بشأن حكم شرعي ، وذلك بالوسائل المتاحة وفق ضوابط معينة وشروط محددة. ‏

شروط  الاجتهاد:‏

- العلم بالقرآن الكريم حفظاً وتدبراً وفهما، ومعرفة تاريخه وناسخه ومنسوخه وخاصه وعامه ومحكمه ومتشابهه. ‏

- ‎العلم بالسنة النبوية وفتاوى الصحابة. ‏

‎- إتقان اللغة العربية وقواعدها وصرفها وأساليبها. ‏

‎- معرفة المسائل المجمع عليها بين العلماء. ‏

‎- معرفة اختلاف العلماء وأدلتهم. ‏

‎- إتقان علم أصول الفقه. ‏

‎- إتقان علم القواعد الفقهية و"الأشباه والنظائر" وفن "الفروق"  وضوابط المسائل في المذاهب الفقهية. ‏

- معرفة الواقع بدقة، وأن يكون بصيرا فقيها به، خاصة فى المجال الذى يتصدى فيه للاجتهاد ‏

‎- ومن أهم الشروط، أن يكون ذا قريحة قوية قدرة على الاستنباط والفهم الصحيح.

‎- وأن يكون أيضا ذا ورع وتقوى وصلاح ورغبة في الوصول إلى الحق بتجرد وموضةعية وإنصاف. ‏

‎‎فمن توفرت فيه هذه الشروط يحق له الاجتهاد المطلق ، لكن ليُعلم أن كثيراً من هذه الشروط والعلوم، كعلم أصول الفقه والقواعد الفقهية وعلوم الحديث والقرآن، لا يتقنها الإنسان إلا بالدراسة على العلماء المتقنين، فلا يكفي في ذلك التعلم الذاتي. ‏

من أسباب اختلاف العلماء:‏
‏ المسائل الفقهية منها مسائل مجمع عليها بين العلماء، لا خلاف فيها بينهم يقدرها بعضهم بعشرين ألف مسألة، وبعضهم يعدها أكثر من ذلك. ‏‎‎ والقسم الثاني: مسائل خلافية بين العلماء، ولهذا الخلاف أسباب منها: ‏

- عدم وصول الحديث إلى العالم. ‏

‎- أن يعتقد العالم أن سند الحديث ضعيف، أي أن الحديث لا يثبت عنده. ‏

‎‎- أن يظن العالم أن الحديث لم يرد في هذه المسألة. ‏

‎‎- اعتقاد العالم أن هذا الدليل منسوخ. ‏

‎‎ وهناك أسباب أخرى موجودة عند أصحاب الاتجاهات المنحرفة وهي: اتباع الهوى والتعصب لرأي عالم معين بدون دليل، والجهل بأصول الفقه وقواعد الفقه، ودخول التأويلات الباطلة وتحريف النصوص .

فى الأدلة الشرعية

الأدلة جمع دليل، والدليل هو: المرشد إلى المطلوب. واصطلاحاً: هو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري . وقولنا (بصحيح النظر) يخرج فاسده، فلا يسمى دليلاً في الاصطلاح.

وقولنا (إلى مطلوب خبري) المراد به: التصديقي، ويدخل فيه ما علم بالقطع أو بالظن عند جمهور العلماء فلا يشترط فيه اليقين .

ومصادر الأدلة الشرعية أقسام، فمنها متفق عليها ومنها مختلف فيها ومنها شاذة غير معتبرة.

1. فمصادر الأدلة المتفق عليها أربعة :

- الكتاب الكريم .

- السنة النبوية .

- الإجماع .

- والقياس

 فهي متفق عليها في الجملة ولا يعتبر خلاف من خالف فيها. وعندنا معاشر المالكية تعدد فى مصادر الأدلة، يشمل من بين ما يشمل : الاستصلاح، الاستصحاب ، العرف والعادة، سد الذرائع، الخ...  وكل ذلك فى إطار منهج من مراعاة المقاصد الشرعية، مما أبدع فى تأصيله وتفصيله فطاحلة العلماء ومن أبرزهم العلامة المجدد الشاطبي رحمه الله.

 2. فالأدلة المختلف فيها، والتى هي موضع نزاع بين علماء المذاهب، أبرزها:

- الإجماع السكوتي .

- وعمل أهل المدينة .

- وقول الشيخين(أبي بكر وعمر) .

- قول الأربعة الخلفاء .  ومدى حجية قول الصحابي بشكل عام

- سد الذرائع .

- العرف والعادة .

- المصالح المرسلة .

- وإقرار الوحي في زمن النبوة شرع من قبلنا .

- الاستصحاب .

- الاستحسان .

- الاستقراء.

3. وأما الأدلة الشاذة التي لايصح كونها أدلة شرعية معتمدة، وإن ذكرها بعضهم ومنها : الرؤيا ، الإلهام، وعند الشيعة: "قول الإمام المعصوم"،  وقول العترة(أهل البيت).

ونأتى فيما يلى بتعريف موجز باصول الأدلة الأربعة المتفق عليها لدى جميع المذاهب السنية: 

الأصل الأول: الكتاب الكريم

وتعريفه: كلام الله المنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - المعجز بنفسه المتعبد بتلاوته. وهو ما بين دفتي المصحف المتواتر كتابة ولفظا بين أيدى المسلمين.

خصائص القرآن الكريم:

  -أنه كلام الله عز وجل لفظا ومعنى .

- أنه أصل جميع الأدلة الشرعية، فحجية السنة أخذت من القرآن: {وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ونحوها من الآيات وحجية الإجماع من قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم…}، وحجية القياس أخذت من القرآن مثل قوله: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} وقوله: {وكذلك الخروج} .

- أنه مقدم على جميع الأدلة الشرعية في الاعتبار لا في الحجية لحديث معاذ: "بم تحكم؟" قال: بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول - صلى الله عليه وسلم - ….

- أنه معصوم محفوظ بحفظ الله عز وجل، قال تعالى:{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} .

- أنه معجزة محمد - صلى الله عليه وسلم - الكبرى .

الأصل الثاني: السنة المطهرة

السنة لغة: الطريقة. من سننت الطريق إذا مررت به وداومت عليه. وتطلق السنة لغة على الطريقة سواء كانت محمودة أو غير محمودة .

تعريف السنة في الاصطلاح العرفي العام: هي ما أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو صحابته الكرام أو التابعين أو أحد الأئمة المقتدى بهم في الدين، يقال سنة أبي بكر وسنة عمر رضي الله عنهما.

تعريف السنة عند المحدثين: ما أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير أو صفة أو خلقية أو سيرة قبل البعثة أو بعدها. والسنة عند الأصوليين: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أو فعله أو تقريره أو همه.

مكانة السنة في التشريع:-

- أنها الدليل الثاني من الأدلة الشرعية بعد القرآن، والمصدر الثاني من مصادر التشريع.

- أنها معصومة من الخطإ، لقوله تعالى "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" 

- أن السنة في الحجية تأتى رديفة للقرآن، تفسره وتبينه .

- أنها أصل لبعض الأدلة الشرعية الأخرى المختلف فيها.

- أن فيها أكثر تفاصيل الدين خلاف القرآن، فإنه يكثر فيه الإجمال .

حجية السنة واستقلالها بالتشريع:

هي حجة باتفاق العلماء، كما أنها مستقلة بالتشريع بإجماع المسلمين، ولم يخالف في ذلك إلا الزنادقة ومن يسمون أنفسهم بالقرآنيين. وأدلة حجيتها واستقلالها ما يلي:-

- قوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}، وجه الدلالة: أنه أمر بطاعة الرسول من دون اشتراط أن تكون السنة موافقة للقرآن الكريم.

- قوله تعالى: {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}.

- قوله: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} وجه الدلالة: أنه رتب الوعيد الشديد على مخالفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمفرده .

- ما رواه أبو داود عن المقدام بن معد بكرب أن الرسول قال: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه لا يوشك رجل شبعان متكيء على أريكته يقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما كان فيه من حرام حرمنا وما كان فيه من حلال حللناه، ألا لا يحل لحم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع"، والحديث رواه الترمذي من رواية أبي رافع رضي الله عنه وقال: حديث حسن صحيح.

- وهناك طائفة من الزنادقة  يسمون أنفسهم بالقرآنيين ينفون حجية السنة، خلافا لما أجمعت عليه الأمو. وقد استدلوا بحديث موضوع نسبوه إلى ثوبان مرفوعاً: "ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما كان فيه فأنا قلته وما لم يكن فيه فأنا لم أقله" قال ابن مهدي وغيره: حديث موضوع وضعته الزنادقة. وقال ابن معين: وضعته الزنادقة.

الأصل الثالث : الإجماع

الإجماع :لغة العزم والاتفاق .واصطلاحاً : اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد عصر النبوة على أمر شرعي .

حجية الإجماع : اتفق العلماء المعتبرون من أهل السنة والجماعة على اعتبار الإجماع والاحتجاج به .

ومن أدلته من القرآن :

- قول الله عز وجل: { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً }

- قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر…} وجه الدلالة: أن الله وصف هذه الأمة بالخبرية فلو اتفقت الأمة على منكر لكان هذا نقضاً لمدلول الآية فدل ذلك على أن الأمة لا يمكن أن تتفق على منكر أو خطأ.

- حديث ابن عمر مرفوعا :"لا تجتمع هذه الأمة على ضلالة أبداً" رواه الترمذي وفي سنده ضعف، وحسنه ابن حجر بمجموع طرقه.

- حديث ثوبان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :"لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله"، وجه الدلالة: إذا أجمعت الأمة فلا بد أن تكون معهم الطائفة القائلة بالحق .

والإجماع نوعان :- 1.  إجماع قطعي 2.  إجماع ظني.

- الإجماع القطعي : وهو ما كان معلوماً من الدين بالضرورة كإجماع العلماء على وجوب الصلاة والزكاة وتحريم الربا والزنا وقتل النفس. ومن الإجماع القطعي : الإجماع القولي المشاهد ، كما يراه بعض العلماء ، وقال بعضهم إن نقل بعدد التواتر فهو إجماع قطعي أيضاً.

- الإجماع الظني :وهو ما علم بالتتبع والاستقراء، وهو الذي ينقله كثير من العلماء المشهورين بنقل الإجماع، كابن المنذر وابن عبد البر والنووي وابن رشد والقرطبي وابن قدامة وابن حزم، وبعض العلماء يعبر عن هذا النوع بقوله :"لا أعلم فيه خلافاً" .

الأصل الرابع: القياس

تعريف القياس. معناه لغة : مأخوذ من المساواة والتقدير، تقول قست الثوب بالذراع أي قدرته وساويته به. واصطلاحاً: "حمل فرع على أصل في حكم ، لعلة جامعة بينهما".

حجية القياس:-
هو حجة عند جمهور العلماء ولم يخالف فيه إلا الظاهرية وبعض المعتزلة كابراهيم النظام  وبعض الشيعة، والصحيح هو القول بحجية القياس، وخلاف هؤلاء غير معتبر . و ذكروا من أدلة حجيته:

- قوله تعالى: {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان}، الميزان هو الذي توزن به الأمور وتقاس به.

- قوله تعالى: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة}، حيث قاس إعادة الخلق على بدء الخلق وهذا قياس توفرت فيه أركان القياس، فالأصل هو قدرة الله على بدء الخلق والفرع هو إعادة الخلق، والحكم هو قدرة الله على الإعادة.

- قوله تعالى: {كذلك الخروج}، وهذه بمعنى الآية السابقة.

- قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولى الأبصار}، والاعتبار قياس الشيء بالشيء.

- حديث ابن عباس في قصة المرأة الخثعمية التي قالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وقد نذرت أن تحج ولم تحج، أفأحج عنها، فقال - صلى الله عليه وسلم - : (أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا دين الله فالله أحق بالقضاء ) رواه البخاري. فأفتاها وعلمها بذلك القياس.

- حديث عمر قال: يا رسول الله أتيت أمراً عظيماً، قبلت وأنا صائم ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ ، قال عمر: لا بأس بذلك ، قال - صلى الله عليه وسلم -: ففيم ؟ ) رواه أحمد وصححه الحاكم وابن خزيمة .

- إجماع الصحابة رضي الله عنه على القياس، فقد ورد عنهم قضايا كثيرة احتجوا فيها بالقياس واستدلوا عليها به، وهذا إجماع ظني، لأنه اعترض عليه وعورض بإجماع مخالف له.

أركان القياس : المشهور أنها أربعة

- الأول: الأصل.

- الثاني: الفرع.

- الثالث: العلة.

- الرابع: حكم الأصل.

ومن أمثلة القياس : قياس النبيذ على الخمر في حكم التحريم، والعلة الجامعة هي الإسكارز ومثلها قياس الحبوب المخدرة.  

مواضيع متعلقة:

- إيصال السالك فى أصول الإمام مالك - للولاتى

- بيان موجز للقواعد الأصولية الخمس المتفق عليها - حسب الولاتي

 - تحميل كتاب إيصال السالك فى أصول الإمام مالك

-  متن منظومة أصول مالك لابن أبى كفة

- كتاب الموافقات في أصول الشريعة