«عمل من طبّ لمن حب» - للمقري

عرض الكتاب وتحميل

يعد كتاب «عمل من طبّ لمن حب» للقاضي الفقيه أبي عبد الله محمد بن محمد بن أحمد الـمَقَّري – الجَد - التلمساني (ت759هـ) صاحب كتاب القواعد المشهور، من الكتب التي تمتاز بتنوع موضوعاتها، وغنى محتواياتها، فإنه ضمّ أحاديث الأحكام، واشتمل على كثير من كليات الفقه وقواعده، و استبطن عددا من الألفاظ والاصطلاحات المتسعلمة لدى الأئمة العلماء. وأهمية الكتاب تكمن في كون مصنفه تحرى فيه الصحيح، وسلك طريق التحقيق والتحرير والتنقيح، وقد نصّ على هذا في مقدمته كتابه فقال: «هذا كتاب (عمل من طب لمن حب) ضمنته من أحاديث الأحكام أصحها، ومن كلياتها أصلحها، ومن قواعدها أوضحها، ومن حكمها أملحها»، هذا مع ما يمتاز به المؤلف في خاصة نفسه من غزارة حفظ، وكثرة علم، حتى قال البُنَّاهي في حقه: »عبرة من العبر، وآية من آيات الله الكبر؛ قلما تقع مسألة إلا ويأتي بجميع ما للناس فيها من الأقوال، ويرجح، ويعلل، ويستدرك، ويكمل».
ويبدو أن المؤلف عمد إلى اقتباس عنوان كتابه من الـمَثل العربي  السائر »عَمَلَه لك عمل من طب لمن حب»؛ أي عمل الحاذق لمن يحب، ومنه قيل للمعالج طبيب..

عمد إلى ذلك لأنه وضعه ليشفي غليل ابن خاله؛ القريب منه، والحبيب إليه، ويقرب منه الفائدة، ويريحه من العناء الذي يلقاه عند كلامه على ألفاظ كتاب «الشهاب» للقضاعي، الذي وُلِع به، فكان هذا السبب المباشر لوضعه، وفي هذا يقول المؤلف: «وكان الذي أثار عزمي إليه، وحمل همي عليه أني رأيت محل ولدي بل خلاصتي، وبقية من يعز على كبدي من قرابتي، الصغير سنّاً، الكبير إن شاء الله سناءً ... علي بن خالي ... أبي عبد الله محمد بن عمر المقري ولع بكتاب الشهاب، وشرع يتكلم ببعض ألفاظه بين صبيان الكتاب، فخشيت أن لا يرجع عليه العناء بكبير فائدة ...».

والكتاب على أربعة أقسام، فأما القسم الأول فَسَاق فيه الأحاديث الحُكمية المتعلقة بمختلف الكتب والأبواب الفقهية، وتربو في العدد عن خمسمائة حديث، موزعة على سبعة وأربعين بابا فِقْهيا، بدءاً من الطهارة، وانتهاء بالمواريث. وأما القسم الثاني فخصّه للكليات الفقهية على جملة أبواب الفقه أيضا، واشتملت على ما يزيد عن خمسمائة قاعدة كلية فقهيه كذلك، وهي في غاية الإفادة والإجادة. وأما القسم الثالث فبسط فيه كثيرا من القواعد الحُكمية، الفقهية منها والأصولية، وهي أكثر من مائتي قاعدة. وأما القسم الرابع والأخير فضمنه اصطلاحات وأقوال مأثورة، بعضها لصحابة كرام، وبعضها لأئمة مشهورين وتابعين أعلام، وهي تدور في مجملها في فلك الفقه وأصوله، والحِكم الشرعية.

وأما منهج المؤلف ففي القسم الأول جرّد الأحاديث التي انتقاها من الصحاح والسنن من أسانيدها، واكتفى بالإشارة إلى من خرّجها قبل عرضها بالرمز الذي وضعه لذلك الُمخَرِّج؛ إذ وضع لكل إمام حرفا يشير إليه، فجعل (م) لمسلم، و(خ) للبخاري، و(د) لأبي داود، و(ت) للترمذي، و(ن) للنسائي، و(ط) لمالك في الموطأ، ومن عادته أنه إذا عزا  الحديث الأول لأحدهم، والحديث أو الأحاديث التي سيذكرها بعده للمشار إليه سابقا، فإنه لا يشير ثانية، ولذلك فقد تمرّ على القارئ أحاديث كثيرة دون أن يقف على رمز من تلك الرموز، ولم يحمل المؤلف نفسه العزو إلى كل من خرّج الحديث بل يكتفي بذكر واحد منهم فقط، وإذا كان الحديث في غير الصحيحن فإنه يتولى أحيانا بيان درجته بالاعتماد على قول من خرّجه، وغالب ذلك عند عزوه للإمام الترمذي، وقد يشير إلى تعدد الروايات واختلافها، ويكرر الحديث عند الحاجة. وأما منهجه في القسم الثاني والثالث فإنه ذكر القواعد مجردة، مع مراعاته ترتيب المسائل الفقهية بحسب أبوابها في الثاني، ومحاولته ضَمَّ القواعد التي بينها رابط في فصل واحد في الثالث. وأما القسم الأخير فإنه أفرد للأقوال التي ذكر أصحابها فصلا، وآخر للتي لم يذكر أصحابها.

وقد تبين بعد هذا أن مصادر المؤلف في كتابه هي كتب الحديث التي سبق ذكر أسماء أصحابها، خاصة في القسم الأول من الكتاب، وقد تكون له مصادر أخرى في الفقه وأصوله لم يفصح عنها.
ولمؤلفه في وصفه وبيان أهميته أبيات قال فيها:

هـذا  كتاب بديـع  في مـحاسنه *** ضمنته  كل شيء  خِلته  حسنا 
فكـل  مـا فيه إن مـرّ اللبيب  بـه *** ولم يشم  عبيرا  شام  منه   سنا
فخذه واشدد به كف الضنين وذُذ *** حتى تحصله عن جفنك الوسنا

وقال الـمَقَّري الحفيد صاحب نفح الطيب: «رأيت هذا الكتاب بحضرة فاس عند بعض أولاد ملوك تلمسان وهو فوق ما يوصف». وقال أيضا: «هو بديع في بابه».

 تحميل كتاب  «عمل من طبّ لمن حب»