"روح المعاني" - تفسير الألوسى

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى
للعلامة محمود أفندى الألوسى البغدادى. الملقب شهاب الدين (1217 هـ - 1270 هـ)، (1802 م - 1853 م )

"روح المعاني" أحد أهم تفاسير المتأخرين، جاء فى 11 مجلدا كبيرا فيما يناهز 7000 صفحة، أراده مؤلفه عصارة للتفاسير، جامعا لخلاصة ما سبقه من كتب التفسير.

وقد كان الفقيه الولاتى يحب هذا التفسير  حيث  حصل عليه خلال رحلته الحافلة إلى الحج - (والولاتى عاصر الألوسى تقريبا ولكن لم يلتق به، إذ توفي الأخير والولاتى لايزال فى سن المراهقة) ووصف تفسير الألوسى فى الرحلة بأنه "تفسير عجيب" . وله معه قصة ذكرها المؤرخ الكبير المختار السوسي فى "المعسول": وهي أن أحد علماء مصر -وهو الشيخ محمد رجب من الإسكندرية- أعار تفسير روح المعانى للولاتى وبعد أن اطلع عليه ورده إليه لم يستطع أن يصبر عنه، فعاد الولاتي وأنشده أبياتا منها

أرى روحى إلى "روح المعانى"              لها شوق يزيد مع الزمان

فما كان منه إلا أن أهداه له من ضمن كتب أخرى. 

 

وصحب الولاتي هذا التفسير معه طوال رحلة العودة من الحج، ونجده اعتمد عليه فى بعض المناظرات؛، كما كان يعزو إليه فى بعض المسائل فى كتاب "الرحلة الحجازية"... وقد خلف هذا الكتاب لأبنائه، بحيث توارثوه فى مكتبتهم العائلية فى ولاتة.

التعريف بتفسير روح المعانى وقصة تأليفه 

   ذكر مؤلف هذا التفسير في مقدمته أنه منذ عهد الصغر، لم يزل متطلباً لاستكشاف سر كتاب الله المكتوم، مترقباً لارتشاف رحيقه المختوم، وأنه طالما فرق نومه لجمع شوارده، وفارق قومه لوصال خرائده، لا يرفل في مطارف اللهو كما يرفل أقرانه، ولا يهب نفائس الأوقات لخسائس الشهوات كما يفعل إخوانه، وبذلك وفَّقه الله للوقوف على كثير من حقائقه، وحل وفير من دقائقه، وذكر أنه قبل أن يكمل سنة العشرين، شرع يدفع كثيراً من الإشكالات التي ترد على ظاهر النظم الكريم، ويتجاهر بما لم يظفر به في كتاب من دقائق التفسير، ويعلق على ما أغلق مما لم تعلق به ظفر كل ذى ذهن خطير، وذكر أنه استفاد من علماء عصره، واقتطف من أزهارهم، واقتبس من أنوارهم، وأودع علمهم صدره، وأفنى في كتابه فوائدهم حبره ...

 ثم ذكر أنه كثيراً ما خطر له أن يحرر كتاباً يجمع فيه ما عنده من ذلك وأنه كان يتردد في ذلك، إلى أن رأى في بعض ليالى الجمعة من شهر رجب سنة 1252 هـ رؤيا عجيبة، ثم انتبه من نومه وهو مستعظم لها، فجعل يفتش لها عن تعبير، فرأى في بعض الكتب أنها إشارة إلى تأليف تفسير، فشرع فيه في شهر شعبان من السنة المذكورة، وكان عمره إذ ذاك أربعاً وثلاثين سنة، وذكر في خاتمته أنه انتهى منه ليلة الثلاثاء لأربع خلون من شهر ربيع الآخر سنة 1267 هـ  ولما انتهى منه جعل يفكر فى اسمه؟ وبماذا يدعوه؟ فلم يظهر له اسم تهتش له الضمائر، وتبتش من سماعه الخواطر، فعرض الأمر على وزير الوزراء علىّ رضا باشا. فسمَّاه على الفور: "روح المعانى، في تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى".


مكانة هذا التفسير من بين التفاسير ومنهجيته

ثم إن هذا التفسير - والحق يقال - قد أفرغ فيه مؤلفه وسعه، وبذل مجهوده حتى أخرجه للناس كتاباً جامعاً لآراء السَلَف رواية ودارية، مشتملاً على أقوال الخَلَف بكل أمانة وعناية، فهو جامع لخلاصة كل ما سبقه من التفاسير، فتراه ينقل لك عن تفسير ابن عطية، وتفسير أبى حيان، وتفسير الكشاف، وتفسير أبى السعود، وتفسير البيضاوى، وتفسير الفخر الرازى، وغيرها من كتب التفسير المعتبرة، وهو إذا نقل عن تفسير أبى السعود يقول - غالباً - : قال شيخ الإسلام. وإذا نقل عن تفسير البيضاوى يقول - غالباً - : قال القاضى، وإذا نقل عن تفسير الفخر الرازى يقول - غالباً - : قال الإمام. وهو إذ ينقل عن هذه التفاسير ينصب نفسه حَكَماً عدلاً بينها، ويجعل من نفسه نقَّاداً مُدققاً، ثم يبدى رأيه حراً فيما ينقل، فتراه كثيراً ما يعترض على ما ينقله عن أبى السعود، أو عن البيضاوى، أو عن أبى حيان، أو عن غيرهم. كما تراه يتعقب الفخر الرازى في كثير من المسائل، ويرد عليه على الخصوص في بعض المسائل الفقهية، انتصاراً منه لمذهب أبى حنيفة، ثم إنه إذا استصوب رأياً لبعض مَن ينقل عنهم، انتصر له ورجَّحَه على ما عداه.

مواقف الألوسى فى تفسيره

- تعامله مع البدع والإسرائيليات 

الألوسى سنِّى المذهب والعقيدة، ولهذا نراه كثياً ما يُفَنِّد آراء المعتزلة والشيعة، وغيرهم من أصحاب المذاهب المخالفة لمذهبه.  ومما نلاحظه على الألوسى في تفسيره، أنه يستطرد إلى الكلام في الأُمور الكونية. ويذكر كلام أهل الهيئة وأهل الحكمة، ويقر منه ما يرتضيه، ويُفنَّد ما لا يرتضيه.   ومما نلاحظ أيضا من منهج الألوسى أنه شديد النقد للإسرائيليات والأخبار المكذوبة التي حشا بها كثير من المفسِّرين تفاسيرهم وظنوها صحيحة، مع سخرية منه أحياناً.

    
- تعامله مع القراءات والمسائل الفقهية واستطراده فى المسائل النحوية

        كذلك نجده إذا تكلم عن آيات الأحكام فإنه لا يمر عليها إلا إذا استوفى مذاهب الفقهاء وأدلتهم مع عدم تعصب منه لمذهب بعينه.  كذلك يستطرد الألوسى بإسهاب إلى الكلام في الصناعة النحوية، ويتوسع في ذلك أحياناً إلى حد يكاد يخرج به عن وصف كونه مفسِّراً.

        ثم إن الألوسى يعرض لذكر القراءات ولكنه لا يكتفى فقط بذكر المتواتر منها، كما أنه يعنى بإظهار وجه المناسبات بين السور كما يعنى بذكر المناسبات بين الآيات ويذكر أسباب النزول للآيات التي أنزلت على سبب، وهو كثير الاستشهاد بأشعار العرب على ما يذهب إليه من المعانى اللغوية.


الألوسى والتفسير الإشارى

        لم يفت الألوسى أن يتكلم عن التفسير الإشارى بعد أن يفرغ من الكلام عن كل ما يتعلق بظاهر الآيات، ومن هنا عَدَّ بعض العلماء تفسيره هذا في ضمن كتب التفسير الإشارى، كما عَدَّ تفسير النيسابورى في ضمنها كذلك.

 وافتتح المفسر،مقدمة كتابه بخطبة عرفانية بديعة:

"حمدا لمن جعل روح معاني الأكوان تفسيرا لآيات قدرته، وصير نقوش أشباح الأعيان بيانا لبينات وحدته، وأظهر من غيب هويته قرآنا غدا فرقانه كشافا عن فرق الكتب الألهية الغياهب وأبرز من سجف ألوهيته نورا أشرق على مرايا الكائنات، بحسب مزايا الإستعدادات، فاتضحت من معالم العوالم المراتب. وصلاة وسلاما على أول ذرة أضاءت من الكنز المخفي في ظلمة عماء القدم فأبصرتها عين الوجود وعلة إيجاد كل ذرة برأتها يد الحكيم إذ تردت في هوة العدم فعادت ترفل بأردية كرم وجود مهبط الوحي الشفاهي الذي ارتفع رأس الروح الأمين بالهبوط إلى موطيء أقدامه ومعدن السر الألهي الذي انقطع فكر الملأ الأعلى دون ذكر الوصول إلى أدنى مقامه فهو النبي الذي أبرزه مولاه من ظهور الكمون إلى حواشي متون الظهور ليكون شرحا لكتاب صفاته وتقريرا ورفعه بتخصيصه من بين العموم بمظهرية سره المستور.
وأنزل عليه قرآنا عربيا غير ذي عوج ليكون للعالمين نذيرا وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد وعلى آله وأصحابه مطالع أنوار التنزيل ومغارب أسرار التأويل الذين دخلوا عكاظ الحقائق بالوساطة المحمدية فما برحوا حتى ربحوا فباعوا نفوسا وشروا نفيسا وقطعوا أسباب العلائق بالهمم الحقيقية فما عرجوا حتى عرجوا فلقوا
عزيزا وألقوا خسيسا فهم النجوم المشرقة بنور الهدى والرجوم المحرقة لشياطين الردى رضي الله عنهم وأرضاهم وإلى متبعيهم وأولاهم ما سرحت روح المعاني في رياض القرآن وسبحت أشباح المباني في حياض العرفان أما بعد ..."

تحميل تفسير  "روح المعانى" 

 المجلد الأول