أسرار معجزة الإسراء والمعراج

 

تمر الأمة الإسلامية بذكرى الإسراء والمعراج، هذه المعجزة الكبرى التي تحدث عنها القرآن الكريم وتناقلتها كتب الحديث والسير؛ إنها معجزة خرقت قانون الزمان والمكان وحيرت العقول والأفكار؛ ولكن لم تحير عقول المؤمنين الذين أيقنوا بقدرة رب العالمين الذي خلق الزمان والمكان، وأمرُه "في الكاف والنون" إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن – فيكون. فهيا بنا نتعرف علي أسرار تلك الرحلة المباركة... يقول الحق تبارك وتعالي : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير ) .

هذه الآية الكريمة جاءت في مطلع سورة الإسراء‏، وهي سورة مكية‏،‏ وآياتها مائة وإحدي عشرة‏(111)‏ بعد البسملة‏، وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بالتأكيد علي معجزة الإسراء برسول الله صلي الله عليه وسلم من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلي المسجد الأقصي في القدس الشريف‏.

‏ وقد تلا ذلك العروج به إلي سدرة المنتهي‏، كما جاء في مطلع سورة النجم‏، مروراً بالسماوات السبع وسكانها حتي شرف بالمثول بين يدي خالقه سبحانه وتعالي ففرض عليه وعلى أمته خمس صلوات في اليوم والليلة‏، ثم أرجع صلي الله عليه وسلم إلي بيت المقدس ليؤم جميع الأنبياء والمرسلين في صلاة‏,‏ وبعد ذلك يعود إلي بيته في مكة المكرمة ليجد فراشه لا يزال دافئا منذ أن تركه‏،‏ لأن الله تعالي خرق له قوانين الزمن‏، ‏كما طوى له مسافات الكون الشاسعة‏، فتمت المعجزة بلا زمان ولا مكان‏، والله تعالي قادر علي أن يفعل ما يشاء دون أسباب‏، وقد كان في هذه المعجزة من التكريم لخاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه ما لم ينله مخلوق من قبل ولا من بعد‏.‏

 

ومضة إعجاز
ونركز هنا علي ومضة الإعجاز العلمي والتاريخي في واقعة الإسراء والمعراج‏، والدروس والعبر المستقاة منها‏:
هذه الآية الكريمة تؤكد واقعة الإسراء‏، وهي واقعة تاريخية لم ينكرها كفار قريش‏,،وإن تعجبوا من كيفية وقوعها‏.‏ فقد روى القاضي عياض في كتابه "الشفا بتعريف حقوق المصطفي" أن حادثة الإسراء والمعراج كانت قبل هجرته الشريفة بسنة‏، وأنه لما رجع رسول الله صلي الله عليه وسلم من رحلته المعجزة أخبر قومه بذلك في مجلس حضره صناديد قريش فقال صلي الله عليه وسلم ‏:‏ إني صليت الليلة العشاء في هذا المسجد‏،وصليت به الغداة،‏ وأتيت فيما دون ذلك بيت المقدس‏، فنشر لي رهط من الأنبياء منهم إبراهيم‏، وموسي‏، وعيسي‏، وصليت بهم وكلمتهم‏.‏
فقال عمرو بن هشام (أبوجهل) مستهزئا‏:‏ صفهم لي‏، ففعل صلي الله عليه وسلم‏.‏ فقالوا‏:‏ يا محمد‏!‏ فصف لنا بيت المقدس‏،قال صلي الله عليه وسلم ‏:‏ دخلت ليلاً وخرجت منه ليلا‏... فأتاه جبريل بصورته في جناحه‏، فجعل رسول الله صلي الله عليه وسلم يصفه لهم قائلا‏:‏ باب منه كذا‏،في موضع كذا‏، وباب منه كذا‏، في موضع كذا‏.‏ ولما وجدوا الأمر كما قال صلي الله عليه وسلم، رموه بالسحر .‏ وتسارعوا إلي أبي بكر الصديق رضي الله عنه قائلين‏:‏ هل لك إلي صاحبك‏،يزعم أنه أسري به الليلة إلي بيت المقدس‏، فقال أبو بكر‏:‏ أوقال ذلك؟ قالوا‏:‏ نعم‏،قال‏:‏ لئن كان قال ذلك فقد صدق‏، قالوا‏:‏ أوتصدقه أنه ذهب الليلة إلي بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال أبو بكر‏:‏ نعم‏،‏ إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك‏، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة‏.‏ ولذلك لقب أبو بكر بلقب الصديق‏.(‏ المستدرك للحاكم‏).‏

تأملات فى آية الإسراء

- أولا : بدأ الحق تبارك وتعالي الحديث عن تلك المعجزة بقوله : "سبحان" ولعلك تسأل أخي القارئ لماذا بدأ الحق جل وعلا الحديث عنها بقوله "سبحان" ؟؟
وللإجابة علي ذلك نقول بفضل الله :
أن الإسراء كان من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلي المسجد الأقصى بفلسطين والمسافة بين المسجدين بقانون البشر بوسيلة مواصلات الزمن الذي وجد فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم وكانت الوسيلة ( الإبل ) فالمسافة بهذه الوسيلة شهرا كاملا لذلك حين الرسول صلي الله عليه وسلم ليخبرهم أنه أسري به من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصى صعب عليهم تصديقه لأنهم قاسوا المسافة بقانون الزمان والمكان البشرى فقالوا للحبيب النبي : كيف ونحن نضرب أكباد الإبل إليها شهرا ؟؟
فقاسوا المسألة والمسافة علي قدرتهم فكذبوه ؛ ولكن إذا قيست المسألة والمسافة علي قدرة من اذا قال للشيء كن فيكون فهل هناك من مجال للتكذيب ؟
أيضا ما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام جمع الله تعالي بقدرته النبيين من آدم عليه السلام إلي عيسى عليه السلام فصلي بهم النبي إماما فكيف لعاقلز أن يستوعب أن هؤلاء الذين انتقلوا إلي جوار ربهم عادوا للحياة مرة أخري وصلي بهم رسول الله عليه الصلاة والسلام ويزداد الأمر غرابة حين يخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أنه عرج به من المسجد الأقصى إلي السماوات العلى فكيف للعقل أن يستوعب ذلك ؟؟
وأقول تعليقا علي ما تقدم ان المسألة لا تقاس بقانون الزمان والمكان فالذي خلق الزمان والمكان قادر علي خرق الزمان والمكان لذلك يا صاحب العقل البشرى القاصر إياك أن تقول كيف ذهب محمد من مكة الي بيت المقدس ولا كيف ارتقي إلى السماوات العلي ولكن قل : سبحان الذي بقدرته أسرى بعبده .
فحين قال الحق تبارك وتعالي : سبحان ؛ كأنه يقول نزهوا الحق تبارك وتعالي عن مشابهة البشر وعن قوانين البشر .
- ثانيا : من بلاغة التعبير وروعة النص القرآني أن الله تعالي قال : أسرى وهنا يرد سؤال ما السر في قول الله تعالي أسرى ؟؟
أن العرب هم أهل اللغة ولو تأملوا في الآية الكريمة لَعرفوا أن الإسراء لم يكُنْ بقوة محمد، فلم يقُلْ أسريتُ، ولكن قال: " أُسرِي بي " ، فلا دخلَ له في هذه المسألة وقانونه فيها مُلْغى، إنما أسرى بقانون مَنْ أسرى به .
- ثالثا : قال الحق تبارك وتعالي : بعبده ولم يقل بنبيه أو برسوله أو بمحمد ما السر في ذلك ؟؟
هنا يثبت لنا الحق تبارك وتعالي أن العبودية له سبحانه عزة ما بعدها عزة وعطاء ما بعده عطاء فالعبودية لله هي أعلى وسام يُنعم به الحق تبارك وتعالي على الإنسان .
وتلازم هذا الوصف بالعبودية مع سياق يؤكد علي مقام رسول الله صلي الله عليه وسلم عند رب العالمين‏،‏ فهو أحب خلق الله إلي الله تعالي،‏ ولذلك أوصله إلي مقام لم يصل إليه غيره من البشر‏،‏ والتأكيد علي مقامه صلي الله عليه وسلم على رأس سلسلة الأنبياء والمرسلين‏، وهو خاتمهم أجمعين.‏
قال أبو حيان تعليقا على قوله تعالى "بعبده": (لو كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - اسمٌ أشرف منه لسماه به في تلك الحالة )
- رابعا : تحديد المكان في قوله : ( من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصى ) ما السر في أن يُسرى برسول الله عليه الصلاة والسلام إلي المسجد الأقصى ثم يعرج به الى السماوات العلي من هناك ولماذا لم يتم العروج به من المسجد الحرام رأسا ما السر في ذلك ؟؟
والسر في ذلك أن أهل الكتاب يهودا و مسيحيين يقدسون بيت المقدس ونظرا لأن رسالة الإسلام رسالة عالمية فهي تؤمن بكل ما جاء به موسي وعيسي عليهما وعلي نبينا الصلاة السلام ففي ذلك إشارة إلي عالمية الإسلام والي أنه الدين الخاتم العالمي.
و كذلك أيضا التأكيد علي حُرمة وبركة كل من مكة المكرمة وبيت المقدس‏.‏
وقد سئل رسول الله صلي الله عليه وسلم عن أول مسجد عبد الله تعالي فيه في الأرض قال‏:‏ الكعبة‏.‏ قيل ثم أي‏،‏ قال‏:‏ المسجد الأقصي‏، قيل وكم كان بينهما؟ قال‏:‏ أربعون عاماً‏.‏ ولقد أنزل الله أبوينا آدم وحواء في مكة المكرمة ثم أسكن عدداً من أنبيائه في أرض فلسطين والأردن‏، وأمر إبراهيم عليه السلام أن يضع أم ولده هاجر ورضيعها إسماعيل في مكان البيت حتي يأتي من نسله خاتم الأنبياء والمرسلين صلي الله عليه وسلم ليلتقي أول النبوة بخاتمها‏، ثم يسري بخاتم أنبيائه من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصي تأكيداً علي وحدة رسالة السماء‏، وعلي الأخوة بين الأنبياء‏، وبين الناس جميعا‏.‏
-و قوله تعالي ( الذي باركنا حوله ) يثير تساؤلا مهما: لماذا قال الحق تبارك وتعالي ( باركنا حوله ولم يقل باركناه ) ما السر في ذلك ؟؟
والسر هنا يمكن في المبالغة في البركة من الله سبحانه فان كان الله عز وجل قد بارك حول المسجد الأقصى فالبركة فيه من باب أولى.
- خامسا : قوله تعالي : ( لنريه من آياتنا ) وهنا سؤال هل يكون هذا التعليل هو سبب الرحلة المباركة ؟؟
فلعله -والله أعلم- سبب جوهري من أسباب الرحلة أن يرى رسول الله صلي الله عليه وسلم مكانته عند ربه وخصوصا بعدما لاقاه رسول الله عليه الصلاة والسلام من أذى وتكذيب وعناد وما حدث بالطائف أيضا...ولجوؤه إلي الله في الشدة، بين الطائف ومكة يناجي ربه بمناجاة تهز القلب والعقل معا‏ (أنت رب المستضعفين وربى... إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالى)...فإذا به يلقى التكريم والتشريف العظيم في هذه الرحلة الفريدة العظيمة ليطلعه ربه تبارك وتعالي علي عوالم من الغيب لم يرها غيره من البشر‏، بما في ذلك الأنبياء والمرسلون الذين أحياهم الله تعالي لمبايعته علي إمامتهم وختام بعثتهم في تلقي وحي السماء‏... 
وكأن لسان الحال يقول: إذا كان أهل الأرض قد جهلوا مكانتك فتعال لترى مكانتك وقدرك عند أهل السماء .ولعل أعظم قدر لرسول الله عليه الصلاة والسلام حين وقف جبريل معترفا بقدر المصطفي صلي الله عليه وسلم فقال : وما منا إلا له مقام معلوم ؛ "لو تقدمت أنا احترقت من أنوار الجلال ولو تقدمت يا ابن عبد الله لاخترقت أنوار الكمال".
من خفايا وأسرار المعراج
أما حادثة المعراج فقد تناولتها الآيات‏(1‏ ـ‏18)‏ في مطلع سورة النجم‏،وهي من خوارق المعجزات التي أخبرنا بها الله سبحانه وتعالي في محكم كتابه وهو خير الشاهدين‏.‏ حيث عرج به البراق رفقة جبريل عليه السلام  إلى السماوات السبع ثم إلى سدرة المنتهي‏، ليتشرف بالمثول بين يدي الله سبحانه وتعالي، ويريه من آياته الكبرى، ثم ليرجع صلي الله عليه وسلم إلي بيت المقدس ويعود إلي بيته في مكة المكرمة ليجد فراشه لا يزال دافئا كلحظة أن تركه‏...فسبحان الله العلي العظيم.

ومن المعانى المستفادة من هذه المعجزة الكبري:‏
- أولا‏:‏ الإيمان بطلاقة وإطلاق القدرة الإلهية التي لا تحدها حدود، والتي أسرت برسول الله صلي الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلي بيت المقدس‏,‏ ثم عرجت به إلي سدرة المنتهي عبر السماوات السبع‏،ثم أعادته إلي بيت المقدس ليصلي إماماً بالأنبياء تأكيداً لمقامه صلي الله عليه وسلم ثم رجعت به إلي بيته في مكة المكرمة ليجد فراشه لا يزال دافئا‏.‏ فقد أوقف الله تعالي له الزمن‏،‏ وطوي المكان‏،‏ ولا يقدر علي ذلك إلا رب العالمين‏.‏
ولكي ندرك ضخامة هذه المسافات يكفى أن نستحضر أن أبعد نجم أدركه الفلكيون في السماء الدنيا يبعد عنا مسافة تزيد علي‏25‏ بليون سنة ضوئية‏، والسنة الضوئية تقدر بنحو‏(9.5‏ مليون مليون كم‏).‏ بمعني أنه لو تمكن الإنسان من صنع مركبة فضائية تتحرك بسرعة الضوء‏، وهذا مستحيل‏،‏ فإنه سوف يحتاج إلي‏25‏ بليون سنة ليصل إلي آخر ما نري من نجوم السماء الدنيا‏.‏ فما بالنا بست سماوات فوق ذلك إلي سدرة المنتهي‏،‏ حيث شرف المصطفي صلي الله عليه وسلم بالمثول بين يدي ربه‏،‏ وتلقي منه الأمر بخمس صلوات في اليوم والليلة عليه وعلى أمته.
- ثانيا‏:‏ الإيمان بأن الله تعالي الذي خلق كلاً من المادة والطاقة‏،‏ والمكان والزمان‏،‏ هو فوق ذلك كله‏،‏ ومنزه عن جميع صفات خلقه‏، وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,، فلا تحده حدود المكان والزمان‏،‏ ولا حدود المادة والطاقة‏، وهو تعالي قادر علي إيقاف الزمن‏،‏ وطي المكان‏،‏ كما أنه قادر علي إفناء خلقه وعلي إعادة بعثه‏.‏
- ثالثا‏::‏ الإيمان بوحدة رسالة السماء‏،‏ وبالأخوة بين الأنبياء‏، وبين الناس جميعا‏، وهي قيم إسلامية أكدتها إمامة رسول الله صلي الله عليه وسلم لجميع أنبياء الله ورسله علي اختلاف أعراقهم‏، ولغاتهم‏،‏ وألوان بشراتهم.  وعالمُ اليوم المضطرب بالعديد من الفتن والمظالم‏، والغارق في بحار من الدماء والأشلاء‏،‏ والذي يعاني من الإفساد والخراب والدمار في كل مجال‏،‏ ما أحوجه إلي استعادة هذه القيم الربانية من جديد‏!!‏

 - رابعا‏:‏  التأكيد علي فضل الصلاة التي فرضت من الله تعالي مباشرة على خاتم أنبيائه ورسله صلي الله عليه وسلم. وجعلها عليه وعلى أمته خمس صلوات في اليوم والليلة‏، تُؤدى خمسا وتُكتب خمسين بفضل الله.  وهي محطات يومية يقف فيها المسلم بين يدي الله تعالى وينقطع إليه فتسمو روحه وتعرج إلى الله، فى تكرار معنوي للمعراج الحسي الذى تجسد لنبينا محمد صلي الله عليه وسلم.  وعلى ذلك فإن الصلاة معراج المسلم إذا أقامها حق إقامتها وأداها بالخشوع والاطمئنان‏،‏ والإنقطاع إلى الله من هموم الدنيا ومشاغلها.  فلا غرو إذا أن يتكرر فى القرآن التأكيد على إقامة الصلاة، ولا غرو أن كانت الصلاة آخر ما أوصى به رسول الله صلي الله عليه وسلم قبل وفاته‏.‏

- خامسا‏ :‏ الإيمان بجميع المرائي التي اطلع عليها رسول الله صلي الله عليه وسلم في أثناء رحلته المعجزة انطلاقاً من الإيمان بأن الله تعالي هو خالق كل من الزمان والمكان‏، وأن كلاً من الماضي والحاضر والمستقبل عنده كله حاضر‏.‏ وأن  هذا الكون فى عظمة بنائه، وضخامة أبعاده هو فى قبضة الرحمن وتحت مشيئته.‏

والإيمان بالغيوب المطلقة التي أخبر عنها القرآن الكريم‏، ومنها الإيمان بالله‏،‏ وملائكته‏،‏ وكتبه ورسله‏، وبحتمية الآخرة‏،‏ وما فيها من الحساب والجزاء‏، والجنة والنار‏،‏ والبيت المعمور‏، وسدرة المنتهي‏...‏

- سادسا‏:‏ التأكيد علي أخطار المفاسد السلوكية علي الإنسان أفراداً ومجتمعات‏، وعلي شدة العقوبة عليها في الآخرة تحريماً لها‏، ومنعاً للوقوع فيها‏.‏ فقد شاهد رسول الله صلي الله عليه وسلم في رحلة المعراج ما يفزع من الوقوع في أي منها‏,‏ فقد رأي عقوبات عدد من الجرائم مثل الزنا‏ن‏ ومنع الزكاة‏،‏ والوقوع في الغيبة والنميمة‏، وأكل أموال اليتامي ظلماً‏،‏ وأكل الربا‏،‏ وأكل أموال الناس بالباطل‏، كما رأي عقاب وخطباء الفتنة‏، وجزاء مضيعي الأمانة‏،‏ وغير ذلك من الجرائم‏.‏ ولو أدرك عقلاء الناس هول العقاب علي كل جريمة من هذه الجرائم ما وقعوا في أي منها‏.‏
كذلك رأي رسول الله صلي الله عليه وسلم في أثناء عروجه في السماوات العلي بعض ثواب المجاهدين في سبيل الله الذين تضاعف لهم حسناتهم الحسنة بسبعمائة ضعف إلي أضعاف كثيرة‏...‏ والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم‏.‏


تلكم بعض الأسرار والمعانى المستوحاة من رحلة الإسراء والمعراج‏، وهي بالإضافة إلي كونها معجزة كونية‏،‏ فإنها تبقي من أعظم الأحداث في تاريخ البشرية التي سجلتها الآية القرآنية الكريمة.‏

ولعله من المفيد أن نستحضر من جديد سياق هذه الحادثة فى التسلسل التاريخى للسيرة النبوية حيث جاءت رحلة الإسراء والمعراج بعد عام الحزن الذي كان رسول الله صلي الله عليه وسلم قد فقد فيه كلاً من زوجه أم المؤمنين السيدة خديجة عليها رضوان الله وعمه أبو طالب‏،‏ فاشتدت وطأة كفار ومشركي قريش عليه حتي أخرجوه من مكة‏،‏ فلجأ إلي أهل الطائف فأغروا به جهالهم الذين أدموا قدميه الشريفتين‏، فوقف في الطريق بين الطائف ومكة يناجي ربه بمناجاة تهز القلب والعقل معا‏،‏ ثم دخل مكة بجوار‏(‏ أي في حماية‏)‏ أحد كبار مشركيها‏. ونستخلص من ذلك درسا عظيما مفاده التأكيد علي ضرورة الالتجاء إلي الله تعالي في كل شدة‏،‏ واليقين بأنه ليس بعد العسر إلا اليسر‏...‏
 فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏،‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏،‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏