الولاتي والتصدي للإستعمار

كان العلامة الولاتي شخصية إصلاحية متعددة الأبعاد. ففتاواه ونوازله شاهدة على جهوده فى الإصلاح الاجتماعي و آثاره فى القضاء غدت مضربا للمثل فى القضاء بالقسط، وذلك فى بيئة تتخطفها النزاعات وتجاوزات ما يعرف ب"السيبة"...

ونتناول هنا جانبا محددا يتعلق بموقف الولاتى من الاستعمار الذى كان على مشارف البلد لدى عودة الولاتي من رحلته إلى الديار المقدسة.

 ولقد كان الفقيه محمد يحي الولاتي يتابع تنامي تواجد "النصارى" حول بلاد شنقيط وتضييقهم الخناق عليها إذ سيطر الفرنسيون على أجزاء كبيرة من الأراضي السنغالية والمالية بعد أن رسخوا وجودهم في التراب الجزائري والمغرب الأقصى وكان الأسبان يتوغلون في الصحراء شمالا ويسيطرون على شواطئها.

وقد بلغ إلى علم الشيخ الولاتي والحالة تلك أن بين أحد أعلام منطقته المقيم في بلاد السودان مراسلات وهدايا متبادلة ومجاملات ووعود مع ضابط فرنسي حاكم دائرة باماكو ،عاصمة مالي حاليا، فوجه إليه رسالة تحذيرية تعبيرا عن قلقه من تنامي نفوذ "النصارى" والخوف عليه من استدراجه، محاولا إقناعه بعدم التعامل معهم و الركون إليهم مما يفُتّ في عضد الأمة وينشر الوهن في صفوفها مذكرا إياه بأصول الشريعة و بديانته المحمدية وبهمته السامية.

وفي ما يلي نص الرسالة التي بعثها الولاتي للشيخ المذكور وهو العلامة جعفر بن المهدي النعماوي: "(..بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله

سلام زكي عائد وتحيـة = = إلى البحر علما والغزير تكرمـا

يشاب بنصح ناشئا عن مودة = = وغيرة إسلام إلى الجانب الأسمــى

جنابكم السامي المطهر أن يــرى == خليلا عليه الكفر يضرب مغرمـا

وقد بان أن الأرض قد صار ملكها = = لقوم يرون النقض للحق مغنمـا

وقد حل بالدين الحنيف الذي تـرى = = وليس فقيه النفس كالجاهل الأعمى

يسومونه خسفا وذلا ومحـنة = = وليس عَلِيُّّ النفس كالقاصر المرمى

وأنتم حماة الدين تأبون ذلـه لكم = = همة تسمو ومنقبة عظمى

فليس إيمائي ما حسبت وخلـته = = بل القصد مني أن تجد وتعزما وتعلم أن الأرض مغبرة كما = = ترى وسواد الكفر عم وأظلما

فلا غل يرجى محوه بيـننا ولا أذى يُتَّقى كلا ولا كلم يدمى

ولا بغض، لا إضرار لكن أخــوة = = حنيفية تدعو إلى النصح والرحمى

من كاتبه محمد يحي بن محمد المختار إلى أخيه في الله السيد الولي الشريف مولانا المهدي، وقد بلغنا أن النصارى يضربون المكس على من استولوا عليه ويطلبونه رغما عن أنفه. وقد استولوا على هذه البلاد وأنتم حماكم الله من ذلك تأبى نفوسكم الزكية المهذبة ونسبتكم النبوية ونخوتكم الهاشمية وغيرتكم الإسلامية أن يكون للكفر عليكم سبيل.

والسلام يعود عليكم ورحمة الله وبركاته مادام الفلك وحركاته."

ويقول الكاتب سيدي محمد ولد مولاي أحمد ولد جعفر إن مخاوف الولاتي كانت في محلها إذ عثرنا على رسالة من حاكم دائرة باماكو إلى هذا الشيخ أي جعفر ابن المهدي بها دليل قاطع على مراسلات وهدايا بينه وبين الفرنسيين تحمل وعودا لا شك سارة له. وتتمثل تلك الوعود حسب الوثيقة في أن الفرنسيين سيقومون بتأمين الطرق التجارية وهو المهاجر من مسقط رأسه النعمة لأسباب تجارية كما يذكر بول مارتي، وجاء في رسالة حاكم باماكو: "الحمد لله وحده لا يدوم إلا ملكه وصلى الله على النبيين من بعده، أما بعد سلام وتحية وإكرام من كماند حاكم دائرة باماكو إلى جعفر المهدي فموجبه إليك إعلامك أن كتابك الكريم قد وصل إلي مع التمر الذي أرسلت لي، وقد أحسنت به جزاك الله خيرا. وأيضا حمدتك في أمر الكتاب الذي قد وجدت (يوجد بعدها سطران ونصف غير مقروءين) فأعلم الأهل (ربما تكون أعلم أهل) بلدك بأن قصدنا في هذه البلاد هو فتوح جميع الطرق وإصلاحهم للصرف والتجارة. وما شاء الله نحن قائمون لإصلاح تلك والسلام عليك ورحمة الله."

هذا بالإضافة إلى ما نقله بول مارتي عن الرحالة الألماني أسكار لانز الذي التقى في مدينة سكولوا المالية بجعفر بن المهدي، ودفع هذا الأخير عنه ضريبة كبيرة لحاكم المدينة وقد تحدث عنه بأن لانز مدح الشيخ جعفرا المهدي على المساعي الحميدة التي قام بها ووصفه بأنه "كان محمود السيرة واسع الصدر ...وكان مشهورا في البلد وكبيرا فيه ولم يكن يخشى من قول الحق وكانت له شخصية بارزة جريء لا يطأطئ ولا ينحني أمام حكام البنبارة." ومع كل هذا المديح لم يستقبل جعفر لانز في منزله بل استقبله في دار أحد عبيده.

فلا غرابة إذا أن نجد رسالة الولاتي إلى الشيخ جعفر المهدي مشحونة بالقلق والمرارة والخوف على الإسلام ما دام التغلغل الفرنسي وصل حد تبادل الهدايا مع الشخصيات المتنفذة والمسموع إليها من طبقة العلماء. وكأن الشيخ الفقيه الولاتي يقود المقاومة والنضال بالقلم ضد المستعمر كما قادها فيما بعد آخرون من مواطنيه بالمدفع و"التعمار".

وتقول بعض الروايات أن الفقيه الولاتي أخذ عهدا على أمير مشظوف آنذاك أعل ولد المحيميد بالتصدي للفرنسيين و أن لا يدخلوا منطقته إلا إذا أحيط به من جميع الجهات، ويتضح ذلك من خلال ردة فعله حين تناهى إليه بعد عودته من الحج نبأ نجاح السيطرة الفرنسية حيث قال (مر،مر...أعلي) وهي عبارة توبيخ شديدة للأمير(5).

وتتداول بين القوم رواية أخرى تقول أنه في مرض موت الفقيه أتاه أكيك الذي آلت إليه السلطة في مدينة ولاتة آنذاك بطبيب فرنسي ليفحصه، فبادره وهو على فراش المرض: "أف...أف...هؤلاء دخلوا الأرض...." وطلب من أهله أن لا يفتحوا الباب لأكيك والطبيب الذي تعهد بالرجوع إليه في اليوم الموالي لعيادته.

ويذهب الأستاذ حسني ولد الفقيه إلى أن علاقة الولاتي لم تنقطع خلال رحلته الحجازية بل كان متطلعا إلى معرفة أخبار وطنه مهموما بوجه خاص بمعرفة محاولات الفرنسيين الاستعمارية إزاء منطقته ومن دلائل ذلك رسالة وجهها من أدرار الى أباتي ولد محمد عبد الله يطلب في بدايتها منه أن يبيع له مستودعات من القماش والعين تركها عنده ليستعين بها فيما يبدو على تكاليف الحج ويدعوه في نهايتها إلى أن يرسل له ما طرأ في الأرض من خبر النصارى ومشظوف وغيرهم، وهذا يدل على أن الولاتي كان متابعا لمحاولات الفرنسيين غزو وطنه وكان يعول على قبيلة مشظوف للتصدي لهم.

وقد ورث  العلامة محمد المختار موقف والده محمد يحيى من المستعمر، فقال عنه المستشرق والضابط الفرنسي بول مارتي في كتابه » القبائل البيضانية: "محمد المختار غير راض عن سياستنا، وقد فقد الكثير منذ تواجدنا بالمنطقة ولا يمكنه إلا أن يتأسف على سيطرتنا"

 **بتصرف عن مقالة لسفير تونس السابق بلحاج