موجز عن مناهج التدريس والمتون المعتمدة في ولاته

بقلم محمد الأمين بن حمادي

(مقال مستخلص في مجمله من مقابلة أجريتها مع العلامة اب بن ان رحمه الله سنة 2004)

جرت العادة في مدينة ولاته أن ينقسم التدريس إلى مستويين أو مدرستين:

- المستوى الأول أو المدرسة القرآنية: وهي التي يحفظ فيها الطالب ما تيسر له من القرآن الكريم. وأولى مراحل التعليم في هذا المستوى هي تعلم الحروف ثم حفظ الفاتحة والمعوذتين والصمد ثم بعد ذلك يبدأ الطفل في حفظ القرآن كله.

ولتسهيل حفظ القرآن فإن الولاتيين يعتمدون الطريقة التالية : يحفظ القرآن أولاً في شكل أجزاء وكلما حفظ الطالب جزءاً تركه وتوقف عن تكراره وانتقل إلى الجزء الموالي وهكذا دواليك حتى يكمل القرآن كله. فإذا أكمل حفظه مجزءا أعاد حفظه من جديد لكن دون تجزئة بل يحفظه متواصلاً إلى نهايته. ويجب أن تتم هذه المرحلة قبل البلوغ.

بعد الانتهاء من مرحلة الحفظ ينتقل الطالب إلى الرسم وهو ضبط رسم حروف القرآن الكريم. ثم بعد ذلك يدرس الطالب نص «ابن بري» في القراءات.

والحال أن هذا المستوى من التعليم يتقاضى فيه المدرس أجرة وإن كانت ذات قيمة رمزية حيث يقدم الطالب لمعلمه معونة مادية مرتين في الأسبوع.  لكن بعد إكمال حفظ القرآن فإن أهل الطالب يقدمون للمدرس هدية كبرى ربما قد تم الاتفاق عليها مسبقا. فإذا وصل الطالب سن البلوغ انتقل من مدرسة القرآن إلى المحظرة أو مدرسة العلوم.

-  المدرسة العلمية أو المحظره : وهي مجانية وشيوخها متطوعون لا يتقاضون أي مقابل، بل على العكس من ذلك فإن منهم من يتحمل تكاليف معيشة الطلاب.

ومن عادة الولاتيين أن يجمعوا الطلاب في دار واحدة وتسمى عندهم "دار اتْلاميدْ" أي دار التلاميذ، ولكن يترك للطلاب الحرية في الدراسة على عدة شيوخ في المدينة أو الاقتصار على شيخ واحد.

و يقتضي المنهج العلمي المتبع في هذه البلاد  كما هو الحال في ولاته أن يبدأ طالب العلم بحفظ المتن الذي هو بصدد دراسته عند الشيخ ويستثنى من ذلك علم الحديث فإن حفظ نصوصه لم يكن إجبارياً.

وأول ما يدرسه الطالب في هذه المرحلة علم التوحيد. وله عدة متون معتمدة منها : الخريدة للدرديري ودليل القائد للأوجلي وإضاءة الدجنة للمقري وأم البراهين للسنوسي ووسيلة السعادة للمختار ابن بون. وهذا النص الأخير هو الأكثر تفصيلاً ويضم ألف وثلاثمائة بيت من بحر الرجز.

ثم ينتقل الطالب إلى مجال العبادات أي الفقه، فيدرس نص الأخضري أولاً وبعدها يمكنه إن شاء أن يبدأ في دراسة النحو. لكنه إن اختار دراسة النحو فإن عليه أن يبدأ بنص الآجرومية فإذا استكمله انتقل إلى دراسة ألفية ابن مالك (تسمى أيضاً الخلاصة) ثم فريدة السيوطي. وله أن يدرس نصوصاً أخرى كملحة الإعراب للحريري و "نحو شهرين" لمحمد يحيى ابن سليمه والكافية لابن الحاجب.

فإن أراد مواصلة دراسة الفقه فعليه بدراسة النصوص التالية : المرشد المعين لابن عاشر ورسالة ابن أبي زيد القيرواني ومختصر الشيخ خليل وكتاب الأمير وهو نص يشبه نص خليل وتحفة الحكام في نكت العقود والأحكام لابن عاصم ويسمى (العاصمية)، ويمكنه أن يدرس النصوص التي تتناول مجال القواعد، أي قواعد تفسير الفقه ومنها لامية الزقاق والتكميل لميَّارة والمجاز الواضح للفقيه محمد يحيى الولاتي رحمه الله تعالى.

وإذا استكمل طالب العلم دراسة مختصر خليل أُتيحت له إمكانية دراسة علم الأصول. والنصوص المعتمدة في هذا المجال هي التالية : مرتقى الوصول إلى علم الأصول لابن عاصم  ومراقي السعود لسيد عبد الله بن الحاج إبراهيم ونظم ورقات إمام الحرمين لسيدي محمد الخليفة بن سيدي المختار الكنتي ونظم أدلة المذهب الستة عشر لسيدي أحمد بن محمد أبو كُفه.

فإذا استوعب طالب العلم ميدان الأصول فعندها فقط يؤذن له في حضور حلقات الحديث الشريف بصفته مترشحاً للإجازة بشرط أن يكون قد استوفى دراسة النحو كما أشرنا آنفاً، فدراسة النحو ليست إجبارية على الطلاب، لكن من لم يدرس النحو لا يمكنه الترشح لإجازة علم الحديث.

أما حلقة علم الحديث فكانت تسير وفق الصورة التالية :

تلتئم الحلقة يومياً بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء ويكون درس الحديث كالتالي : يقوم الطالب المترشح للإجازة بقراءة الحديث والشيخ يستمع ويتولى طلاب آخرون غير مترشحين قراءة كتابين آخرين :

- كتاب القسطلاني وهو تعليق على الحديث لكنه يتناول الجانب النحوي فقط.

- كتاب ابن حجر وهو شرح لمعاني الحديث.

وهكذا بعد انتهاء المترشح من قراءة الحديث، وللإجابة على الأسئلة التي يطرحها، يطلب الشيخ من أحد الطالبين الذين يمسكان الكتابين بقراءة ما يتعلق بالسؤال من أحد الكتابين بحسب أن يكون السؤال يتعلق بمعنى الحديث أو إعرابه. فإذا تأكد الشيخ من كفاءة المترشح من ناحية إعراب الحديث وفهمه بعد استماعه إليه يقرأ من صحيح البخاري وصحيح مسلم فإنه يأذن له في دراسة مصطلحات الحديث. والنصوص التي تدرس في علم مصطلحات الحديث هي : البيقونية وألفية العراقي وألفية السيوطي وطلعة الأنوار لسيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم و هو الأكثر تداولاً في ولاته.

فإذا أكمل الطالب دراسة نص طلعة الأنوار وأتقن مختلف أنواع الحديث فإن الشيخ يعطيه الإجازة. وعند ذلك يمكن للطالب أن يترأس حلقة دراسة الحديث وأن يعطي الإجازة بدوره.