شرح حديث: لا ضرر ولا ضرار (ح1)
عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا ضرر ولا ضرار)).
يُعتبر هذا الحديث من جوامع الكلم التى أوتيها النبي (ص)، ويؤسس لقاعدة عظيمة من قواعد التشريع الإسلامي. فلا غرو أن نجد هذا الحديث القصير من ضمن مختارات الإمام النووي رحمه الله فى مصنفه اللطيف المعروف ب"الأربعين النووية"، حيث ورد فى الثاني والثلاثين من هذه الأحاديث.
كما نجد علماء الأصول و المقاصد والقواعد الفقهية اعتمدوا عليه لتأسيس العديد من الفتاوى والأحكام.
و لشرح الحديث سنتناوله من زاويتين،  الأولى حول نقد السند وتحليله، والثانية حول تحليل المتن. وسيتم شرح معانى الحديث على حلقتين، ولعلنا نتعرض فى الحلقة الثانية لتعليقات العلامة الولاتى رحمه الله على الحديث من الناحية الأصولية، إن شاء الله.
تحليل السند:
الحديث رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسنداً، ودرجته فى مصطلح الحديث أنه حديث حسن.
كما رواه الإمام مالك في الموطأ مرسلاً عن عمرو بن يحيى:
عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلاً فأسقط أبا سعيد... وله طرق يقوي بعضها بعضاً. 
وهذا كسابقه، يعني بمجموع طرقه يرتقي إلى درجة الحسن. وفيه عند النقاد من أهل الفن ما يسمونه "تعارض الوصل والإرسال"، حيث أنه عند ابن ماجه والدارقطني مسند، بمعنى أنه موصول، ذُكر فيه الصحابي أبو سعيد الخدري، وعند مالك مرسل، والإمام مالك -رحمه الله تعالى- ما دام الدارقطني ذكره مسنداً، وهو من أشد الناس في هذا الباب، ومالك -رحمة الله عليه- لم يكن فى عصره ومحيطه العلمي يكترث لمسألة الوصل والإرسال؛ لأن المرسل عنده حجة، وكم من حديث في صحيح البخاري، وفي صحيح مسلم موصول بذكر الصحابي يُرسله الإمام مالك -رحمه الله-؛ لأن مرسل مالك حجة.

وعلى كل حال، فللحديث طرق يقوي بعضها بعضاً. وهو بمجموع هذه الطرق يصل إلى درجة الحسن، وإن لم يصل فى مصطلح القوم إلى درجة "الصحيح" لكنه حسن، بل نجد الألبانى قد صححه، فهو عنده فى الدرجة العليا التى هي درجة "الصحيح". ومن قبله، اعتمده أهل العلم وبنوا عليه قاعدة تشريعية عظيمية، تتفرع عنها فروع كثيرة...

تحليل المتن:

يشتمل الحديث على قاعدة من القواعد الشرعية التي استنبطها أهل العلم واهتموا بها، وفرعوا عنها، والحديث وإن اختُلف في وصله وإرساله كما أسلفنا فى تحليل السند، إلا أن في القرآن ما يدل عليه باللفظ، {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} [(233) سورة البقرة] {أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ} [(12) سورة النساء] في مواضع من هذا النوع.

وإذا عدنا إلى لفظ الحديث ، فإننا نجد أنه قد نفى الضرر أولا ، ثم نفى الضرار ثانيا ، وهذا يُشعرنا بوجود فرق بين معنى الضرر ومعنى الضرار. فالأول أعم، حيث أن الشارع نفى الضرر عن الشريعة لأنها كلها مصلحة ويسر، كما نفى التسبب فى الضرر سواء عم قصد أوغير قصد، وشرع لنا إزالة الضرر أيا كان مصدره. والثانى (الضرار ) أشد من الأول وينطوى لغويا على قصد الإضرار بالغير.

قوله: ( لا ضرر ) أي: أن الضرر منفي شرعا ، ( و لا ضرار ) أي: مضارة , ومن الفروق بينهما كما قلنا أن الضرر يحصل بلا قصد ، والضرار يحصل بقصد , فنفى النبي صلى الله عليه وسلم الأمرين ، والضرار من باب أولى إذ هو اشد من الضرر كما أسلفنا.

والضرر منفي ابتداءً ومكافأة، يعني لا يبتدئ الإنسان بالضرر، ولا يجيب من ضره بالضرر؛ لئلا يسعى إلى ضرر لا ابتداءً ولا مجازاة، لا بمفرده ولا في مقابل من ضره، نعم {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} [(126) سورة النحل] لكن لا تزد على ذلك، لك أن تنتصر لنفسك بقدر المظلمة، لكن لا يجوز أن تزيد على ذلك...

و "المضارة" مفاعلة بين اثنين، فلا يجوز للزوج أن يضار زوجته، كما أنه لا يجوز لها أن تضاره، الحضانة للأم والنفقة لها إذا حصل الفراق، لكن قد تسعى هذه الأم لمضارة الزوج من خلال حضانة أولاده بأن تجعل العوائق والحوائل دون رؤيته لهم، هذه مضارة، وكذلك لا يضار الزوج زوجته لا وهي في عصمته  ولا بعد الفراق بالأولاد أوغيرهم (لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده) ؛ لأن الزوج قد يضار الزوجة، ولذا (لا يضار) يُحتمل أن يكون مبنياً للمعلوم، ويحتمل أن يكون مبنياً للمجهول، وإذا فك الإدغام تبين المراد، فإما أن يكون الأصل لا يضارِر والد بولده، و يحتمل أن يكون لا يضارَر من قبل الزوجة أو من قبل بعض أهلها، فالضرر منفي.

الضرر منفي، ولا يجوز إلحاق الضرر بأحد.  بالنسبة للمسلم ظاهر، وبالنسبة لغيره سواء كان معاهداً أو ذمياً أو مستأمناً أيضاً جاءت فيه النصوص. وبخلاصة، إنها قاعدة قانونية كما هي قاعدة أخلاقية عظيمة، مفادها أن الإنسان لا يُلحق الضرر بأخيه الإنسان.

فالحديث إذا فيه تحريم الضرر: ((لا ضرر)) وهو نفي يُراد به النهي، والنهي عند أهل البيان، إذا جاء بصيغة النفي كان أبلغ وأشد؛ لأن هذه الصورة من الشدة والبشاعة بحيث يصح نفيها عن المجتمع الإسلامي، يعني أن الأصل أنها ليست موجودة أصلاً لدرجة أننا لا نحتاج للنهي عنها !   هي منفية أصلاً، بمعني أنه لا يُتصور أن يحصل مثل هذا فى المجتمع المسلم الحق... فلا يصلح أن يكون بين مسلمين إضرار ولا مضارة.

ويضرب العلماء مثالا للضرر فى مقابل الضرار: لو أن إنسانا له جار وهذا الجار يسقي شجرته فيتسرب الماء من الشجرة إلى بيت الجار لكن بلا قصد ، وربما لم يعلم به فهو ولو أنه لا يُعتبر ضرارا، فيبقى من الواجب أن يزال هذا الضرر إذا علم به... حتى لو قال صاحب الشجرة: أنا لم أقصد المضارة ، نقول له: وإن لم تقصد ؛ لأن الضرر منفي شرعا أما الضرار فإنه أشد إذا كان الجار يتعمد الإضرار بجاره وذلك مما تم تشديد النكير عليه شرعا.

وقد أخذ العلماء من هذا الحديث مسائل فرعية كثيرة في فقه الأسرة والعلاقات الزوجية وكذلك فى العلاقات الاجتماعية فى موضعها من باب الجوار وغيره ، وما أحسن أن يراجع الإنسان ما ذكره العلماء فيها في باب الصلح وأحكام الجوار وغيرها.

والله المستعان.