ترجمة العلامة سيدي عبد الله ولد الحاج ابراهيم

سيرة مختصرة للعلامة سيدي عبد الله ولد الحاج ابراهيم

مولده ونشأته : ولد سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم سنة 1152هـ في منطقة تجكجة الواقعة في الشمال الشرقي من موريتانيا ،في أحضان أسرة شرف وعلم وزهد وصلاح . فأبوه الحاج إبراهيم ينتمي إلى قبيلة مشهورة في البلاد بالعلم والصلاح ، هي قبيلة العلويين ترجع في نسبها إلى السيد الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه . أما أمه فترجع في نسبها إلى أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه . توفي والده الحاج إبراهيم وهو في طريق عودته من الحج ولما يبلغ الفطام فاعتنت والدته بتربيته وتعليمه ، بدأ تعليمه على يد خاله ،

وأظهر نبوغا نادرا وقدرة متميزة على الحفظ . حفظ القرآن مبكرا وأتقنه وجوده قبل بلوغ الحلم . رحلته الطويلة في طلب العلم قضى سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم حوالي أربعين سنة من عمره في بلده وخارجه في طلب العلم . لازم علامة شنقيط في النحو المختار بن بونا (سبويه شنقيط) عدة سنوات وأخذ عن غيره من العلماء في بلاد شنقيط . درس خلال هذه الفترة علوما جمة ومتونا متعددة منها الكافية لابن مالك في النحو مع الشروح ،وألفية السيوطي في البيان مع شروحها ،وكبرى السنوسي في التوحيد ،،وغير ذلك من العلوم .
رحلته إلى المغرب : بعد أن استكمل الشيخ العلوم الموجودة في البلد تاقت نفسه للمزيد , فشد الرحال بهمة عالية إلى المغرب راكبا المخاطر وقاطعا للفيافي والصحارى الشاسعة ليروى عطشه ويشبع نهمه للعلم وكأنه يستحضر الحديث الشريف :" منهومان لا يشبعان : طالب مال وطالب علم". تسلح الشيخ بالعزيمة والصبر و اعتمد الشيخ في رحلته على الجمال كوسيلة نقل وتحمل صعابا كثيرة من قلة ماء و كثرة المخاطر في الطريق بين شنقيط والمغرب. وعندما وصل إلى مراكش ,جنوب المغرب,كتب رسالة إلى أهله في مدينة "تجكجة"أوجز فيها ما تعرض له من مخاطر في الطريق لكنه ضمنها من المعاني ما يدل على علو الهمة وتصميم على طلب المنشود مهما كلفه ذلك. وبين الشيخ فى رسالته ان الصبر فى البداية ظفر فى النهاية , قضى الشيخ عدة سنوات فى المغرب ينهل من العلم و صحب أكابر العلماء فيها مثل الشيخ ابى عبد الله محمد بن الحسن بن مسعود البنانى(ت1224هـ) أحد أئمة المذهب المالكي فى المغرب في ذلك التاريخ.
رحلته إلى الحج : توطدت الصلة بين الشيخ و سلطان المغرب آنذاك محمد بن مولاي عبد الله بن مولاي إسماعيل , وكان عالما يكرم العلماء. و لما أراد الشيخ الحج وزيارة قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم جهز له السلطان باخرة تحمله و أرسل معه ابنه اليزيد. والتقى بأرض الحجاز بكبار العلماء فأفاد منهم واستفاد.
المرور بمصر : مر الشيخ أثناء عودته من الحج بمصر و اتصل بالأزهر ولقى علماءه. موقفان يدلان على محبة الشيخ للعلم و تعظيمه له
الموقف الأول : لما مر الشيخ بمصر حصلت بينه صلة مع محمد على باشا , حاكم مصر وقتها , فأتحفه بنجيبة من عتاق الخيل , وهى من النوع النادر الذي لا يملكه إلا السلاطين و الملوك. وكان غرض الأمير محمد على باشا ان يستخدم الشيخ الفرس لتوصله إلى وجهته في يسر وراحة ,غير ان الشيخ , لعلو همته وحبه للعلم وزهده في الدنيا ,أراد شيئا آخر فباع الفرس و اشترى بثمنها كتاب الحطاب و هو أهم شراح مختصر خليل ,أشهر مختصرات المذهب المالكي.
الموقف الثاني : بعد عودة الشيخ إلى المغرب قافلا من الحج أرسل له السلطان محمد بن عبد الله , وهو الذي جهز له باخرة ليحج بها , يستقدمه فأبى الشيخ ذلك قائلا ان العلم يؤتى ولا يأتي. فأمر السلطان الجنود بأن يحملوه إليه على الهيئة التي يجدونه عليها , فوجدوه على سرير يطالع كتابا فحملوه إلى السلطان دون ان يغير شيئا من حالته.
جهاده : كان الشيخ في رحلة للعلم والحج لكنه اغتنم فرصة وجوده في المغرب وعلاقته الطيبة مع السلطان فحمل السلاح وجاهد مع السلطان ضد البرتغاليين.
عودته إلى الوطن : بعد أن قضى الشيخ حوالي عشرين سنة فى طلب العلم بين المغرب والحجاز ومصر , و بعد ان حقق منيته فى الحج و زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم , و جمع فى ذاكرته علوم المشرق والمغرب وبعد ان تشرف بالمشاركة في جهاد أعداء الله والذود عن حمى الدين والأوطان , استهل رحلة الإياب إلى وطنه يحركه شوق أحر من الجمر بعد طول غياب. لكن كما يقول المثل العامي في بلاد شنقيط " الرجل إذا غاب لا يسأل عن طول مكثه إنما عن ثمرة غيابه". عاد إلى وطنه بعد رحلة مباركة مثمرة علما وجهادا وطاعة. عاد الشيخ إلى مدينته "تجكجة" ليبدأ مرحلة جديدة من حياته ملؤها العطاء والجد . يبث العلم و يربى المريدين و يصلح شؤون البلاد والعباد ويجاهد لإعلاء كلمة الله ونشر شرعه.
تأسيس مدرسة الشيخ : أسس الشيخ سيدي عبد الله مدرسة في مدينته ما لبثت ان أصبحت قبلة المتعطشين للعلم من جميع مناطق البلاد , فتخرج فيها الجيل بعد الجيل من العلماء الذين نشروا العلم والمعرفة و رفعوا لواء الدين حيثما توجهوا.
التجديد في مدرسة الشيخ : تميزت مدرسة الشيخ من بين المحاظر (الجامعات الشعبية الموريتانية), فهي أول مدرسة تم فيها تدريس مادة الأصول , وكذلك اهتمت اهتماما متميزا بمصطلح الحديث و بعلوم البلاغة و البديع والبيان لفهم القرءان والحديث. و تجلى تميز المدرسة بثورة الشيخ على بعض الثوابت , فمع أن الشيخ مالكي المذهب إلا أنه قد يخالف الإمام مالك في المسألة إذا اتضح له الصواب في غير قول مالك رحمة الله عليه.
زهده وورعه وعبادته : كان الشيخ رحمه الله زاهدا في الدنيا لا يعجبه شيء منها ولا يهتم بها يقول عنه ابنه محمد محمود : كان رحمه الله لا يحب شيئا من الدنيا سوى الكتب فانه يحبها حبا جما. وكان رحمه الله معلق القلب بالمساجد, يعبد الله آناء الليل وأطراف النهار,كان مواظبا على تلاوة القرءان و كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر, يداوم على النوافل كلها و لا يفعل خيرا و يتركه بعد ذلك. كان يغلب عليه الخوف من الله تعالى فلم يره أحد ضاحكا قط , لكنه كان يتبسم و يقول القهقهة محرمة عند الصوفية مكروهة عند الفقهاء. وكان, رحمه الله شديد التمسك بالسنة , فارا من البدعة ومنكرا على أهلها.
مؤلفاته : كان الشيخ يقسم وقته بين التدريس و العبادة وإمامة المسجد و شؤون بيته و تربية أبنائه و إصلاح أحوال المسلمين و تأليف الكتب والفتوى. فقد بارك الله في عمره و عمله وألف عدة مصنفات نافعة منها:
1 -
طلعة الأنوار في مصطلح الحديث
2 -
غرة الصباح في اصطلاح البخاري
3 -
فيض الفتاح على نور الإقاح في علوم البلاغة
4 -
مراقي السعود و شرحه شرحا سماه نشر البنود , في أصول الفقه
5 -
مطالع التنوير في آفاق التطهير
6 -
النوازل في الفقه
7 -
مسوغات الفطر للصائم
8 -
روضة النسرين في الصلاة على سيد الكونين
9 -
منظومة مراقي السعود : ألف الشيخ منظومة مراقي السعود في الأصول و هي من أهم مؤلفاته و تبلغ ألف( 1000) بيت ووضع لها شرحا سماه نشر البنود . وقد لقيت هذه المنظومة قبولا عظيما في بلاد شنقيط وخارجها.فهى تمثل المقرر الرئيس في مادة الأصول في معظم المحاظر الموريتانية(الجامعات الشعبية). كما اهتم بها العلماء ووضع بعضهم لها شروحا , ومن هؤلاء:
-
محمد يحي الولاتي (ت1330هـ) , وضع لها شرحا سماه : فتح الودود على مراقي السعود وانتهي من تأليفه وعمره 25 سنة .
-
محمد الأمين بن أحمد زيدان , وضع لها شرحا سماه : مراقي الصعود على مراقي السعود.
-
محمد الأمين الشنقيطي ,صاحب أضواء البيان, وضع لها شرحا سماه : نثر الورود على مراقي السعود, حققه واكمله تلميذه الدكتور محمد ولد سيدي ولد حبيب , حفظه الله , عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى .
وكان الشيخ محمد الأمين الشنقيطي يكثر من الاستشهاد بها عند مناقشته المواد الأصولية في تفسيره أضواء البيان وفي غيره من مؤلفاته. ومن الذين اهتموا بها الشيخ العلامة حسن محمد المشاط(ت1399هـ) فقد كان من حفاظها المعجبين بها , وكان يستشهد بها في دروسه بالمسجد الحرام ويحث طلابه على حفظها. وذكر الأستاذ د. عبد الوهاب أبو سلمان ، حفظه الله ، أن من اهتمام الشيخ المشاط بالمنظومة أنه في عام 1371هـ طلب من تلامذته المالكيين استنساخ النظم وحفظه ، ثم شرع في مقابلة نسخ الطلاب وتدريسه لهم بالمسجد الحرام .
قالوا عنه:
وصفه باب بن أحمد بيب فقال :

 

قد كاد أن يوصف بالترجيـــــــــــح * لفهمه ونقله الصحيـــــــــــــــــــــح - -

وكان في الحديث لا يبــــــــــــــارى* كأنما نشأ في بخـــــــــــــــــــــــارى

وقال بدي بن سيدينا : " خاتمة المجتهدين ذو المحاسن الأثيرة والمناقب الكثيرة من سار ذكره في الآفاق سير المثل وزان علمه بزينة العمل .
وقال عنه أحمد الأمين الشنقيطي نزيل القاهرة (ت 1915 م ) أعطته العلوم أزمتها فصار من علماء أئمتها ، حاو جميع الفنون كثير الشروح والمتون لم يأت الزمان بمثله .
وقال الشيخ محمد الحافظ العلوي ( 1247 هـ ) ما رأيت مثل سيد عبد الله بن الحاج إبراهيم في إرشاد الخلق وتدريجهم إلى الخير، لا يزال يقدم الرجل إلى الخير حتى يستحي من الشر.
و وصفه بعضهم بأنه أعلم رجل عرفته الصحراء ، وأنه مجدد العلم في بلاد شنقيط.
ترجم للشيخ العديد من المؤلفين منهم : - ابنه محمد محمود في كتابه الدر الخالد
-
أحمد الأمين الشنقيطي في الوسيط في تراجم أدباء شنقيط
-
الزركلي في الأعلام
-
الخليل النحوي في بلاد شنقيط ..المنارة والرباط
-
محمد الحافظ بن المجتبى في كتاب الحديث : علومه وعلماؤه في بلا د شنقيط
-
حسن بن محمد المشاط في كتاب الجواهر الثمينة في أدلة عالم المدينة .
-
أحمد بن ممون في كتاب فتح العليم في معرفة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم (حياته مناقبه ، مناقبه ، آثاره . )
وفاته رحمة الله عليه : توفي الشيخ سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم ليلة الجمعة 28 ربيع الثاني 1233 هـ وبلغ عمره حوالي ثمانين سنة قضاها بين طلب العلم والتدريس والجهاد والإصلاح ، مكابدا مثابرا لا يعرف طعما للراحة ، كأنه سمع كلمة أحمد بن حنبل عندما سأله ابنه عبد الله متى الراحة ؟ قال له عندما تضع قدمك اليمنى في الجنة . كان الشيخ مجدا ومجتهدا في كل حياته ، يصدق عليه قولهم :

قد نال غاية ما يروم المنتهي *من ربه وله اجتهاد المبتـــــــــــــدي
رحمه الله رحمة واسعة، من عالم أصولي هو بحق مفخرة بلاد التكرور، وتقبله في جنات الخلد ، في الفردوس الأعلى مع الحبيب المصطفى والنبيين والصديقيين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.