تأملات فى فلسفة الصوم وتوازن الانسان

ها شهر رمضان قد أقبل، فمرحبا بهذا الضيف الكريم الذى بإهلاله تأتى البشائر بفتح أبواب الجنة والخيرات وغلق أبواب الشرور... وهذا الموسم المبارك -موسم التوبة والرحمة والمغفرة- يشكل فرصة عظيمة لتجديد الحياة بالإيمان والتماس رضى الرحمن – جل جلاله – والتقرب إليه بالطاعات.

وما أحوجنا فى مستهل رمضاننا لوقفة تأملية روحانية، لنتدبر الحكمة من الصيـــام و نتذكر معانيه ونستكشف جانبا من أسراره. وإن طبيعة الإنسان، نفسية الإنسان وتهذيب الإنسان وتجديد روحه وكيانه وتحقيق التوازن فى حياته، هي كلها قضايا مركزية فى فلسفة الصوم.

الكيان الإنساني ـ بحكم فطرته التي فطرهُ الله عليها ـ وحدة تشمل الجسد والروح، أي (المادة) و (ماوراء المادة).

فهو مؤلف من صلصال من تراب، تتمثل فيه عناصر الأرض البسيطة، من هيدروجين و أوكسجين، و كربون، حديد، كالسيوم ،نحاس  وفوسفور، لتشيع فيه حاجيات وشهوات الأرض، ورغبات النفس، ونزوات الحسِّ الغليظ... لكن مع صلصال التراب،نفحة من روح الله، تنبعث منها سبحات العقل، وتأملات الفكر، ورفرفات الروح...

والعجيب في هذا الكيان البشري، أنَّ ذلك الشتات المتنافر المنتثر، قد اجتمع وترابط وتوحد، وأصبح أكبر قوة على الأرض! ذاك حين تقتبس الذّرة المجهولة، من قوة الأزل السافرة، فتشتعل وتتوهج، وتنبثق طليقة جاثمة، تمتزج فيها المادة، واللامادة، فهما سواء...وفي ذات الوقت يحتفظ، كلَّ باستقلاله  ورغباته، وينشب الصراع الساخن المستمر. فأيهما انتصر، ملك قيادة الفرد، وسرى عليه نفوذه وسلطانه...

ولكلٍ من الجسد والروح، مطالب تناسب طبيعته ودرجته في مراتب الوجود، فالجسد لا يفترق عن بقية أنواع المادة، في قبوله للزيادة والنقص والقوة والضعف، والتحلل والتركيب... ومن أجل ذلك، فهو محتاج إلى مقوّمات تقومه من نوعه، كالغذاء والكساء والسكن... ولكن الروح ـ بطبيعتها العلوية النيرة ـ لا تطلب المقومات العنصرية، وإنّما هي تواقة إلى الشرف والكمال، للإلمام بأسرار الملكوت، وحتى التواصل معها، والتطلّع على ما وراء الطبيعة...

وإذا كانت الروح تنزع إلى الكمال والارتقاء ـ والتجربة الإنسانية الصاعدة، دلت على مقدرتها على التحلق والارتقاء ـ فما الذي يصد بعض النّاس عن التطلّع إلى الكرامة الإنسانية، ويدحضهم في المجاهل والمزالق، ليتسفلوا متخبطين؟! نعم... إنّ الجسم بشهواته ونزواته، هو الذي يسجن الروح الشفافة عن التوثب والانطلاق... لأنَّ الجسم والروح ثقلان متأرجحان، ككفتي ميزان، لا تثقل هذه إلاّ وتخف الأخرى، ولا ترجح تلك إلاّ بمقدار ما تبخس هذه...

ولذلك نجد في النّاس من غلبت عليه مادته، فوهب نفسه لها، لا يفكر إلاّ في إشباع شهواته، كيفما أمكن ذلك الإشباع، فهزلت روحه، وتضاءلت منكودة حاسرة. ومنهم من محض للروح، فسمت وتعالت، بينما انهدت قواه وتكسر كيانه...

فأيُّ الطرفين قد أصاب الحقيقة، وأحرز النجاح الإنساني المنشود؟ لا جرم أنَّ كليهما قد أخطأ الواقع!... فأما من تطوّع للجسد، وجرى في أعقاب الشهوات، فقد خنق إنسانيته، ولم يزد على بهيمة وحش... وأما من انقاد للروح، فقد هضم حقوق جسمه، وعطل نظام الكون، ويكون أشبه بمن دخل حديقة غناء، ليستغلها وينعم بها، فتوّرع عنها، حتى ذبلت أزهارها، واستحالت قاعاً صفصفاً تسكنها الحشرات والديدان...

إذن فعلينا أنْ نلتمس حاجات الروح والجسد، فنعدل بينهما، ونوفيهما حقوقهما المتوازنة.

وإذا كان الجسم يحتاج إلى نظام صحي، لاستيفاء سلامته ونموه وسعادته، فكذلك الروح، تحتاج إلى نظام روحاني (الدين)، لاستيفاء نموها الطبيعي، ورشدها المأمول، والظفر بالأماني التي تشرئب إليها...

والصيام من سنن الدين، التي تعمل لتكييف الروح... وهو للروح كالرياضة السنوية للجسم، فكما أنَّ قانون الصحة، يُحتّم على كل عامل يريد حفظ صحته، أن يريح نفسه شهراً كاملاً في السنة، فى عطلة يقلل فيها من غذاء النفس (بالتوقف عن العمل واستراحة الفكر)... كذلك نظام الصحة الروحية، يفرض على كل إنسان، أن يقلل شهراً في السنة من غذاء جسده...

ولما كانت بينة أطباء الأجسام، في ضرورة الإقلال من تغذية النفس، شهراً كل عام، هي لزوم تعويض ما فقده الجسم، من القوة، مدى الأحد عشر شهراً، نتيجة الانهماك الفكري... كذلك حجة أطباء الأرواح، في القصد من الطعام مدى شهر كل سنة، هي تعويض ما فقدته الروح الإنسانية من جراء تفرغ الإنسان، للماديات طوال العام...

وليس الهدف من هذه التحديدات، إلاّ حصول الموازنة، بين الروح والجسد. وهكذا فى مشهد التصارع بين الجسد والروح، تظهر حكمة بالغة من حكم الصيام...

هناك مظاهر أخرى للتصارع في الإنسان، فكما أن الإنسان جسد وروح يتصارعان... فهو أيضا شهوة وعقل لا يفتأ بينهما الصراع، غير أن الشهوة تتشيع للجسد، والعقل يتشيع للروح، ومجال الصراع هو الإنسان وتوجهاته واهتماماته...

فكما أنَّ الجسد يحتاج إلى الغذاء العنصري، كذلك الشهوة تبتغى الإشباع ... ولذلك كان لا بد أن تسكن الغريزة ويهدأ الجسد، ليتحرك العقل وتنشط الروح... ومن أجل هذه الحقيقة، كان الصوم أجدى وسائل تربية العقل والروح معاً... أو لا ترى كيف يمنع بصرامة، تحركات الغريزة والجسد معاً، وجُعل منهما جُنة، ويستدعى منهما كفارة سواء...

 

تلك بعضٌ من المسائل حول أسرار الصيــــام، وقد علمت أن المقصود الأعظم منه هو التزود من التقوى .. {يأَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].

نسال الله تعالى أن يعيننا على صيام هذا الشهر المبارك وقيامه وأن يعيده على الأمة الإسلامية بالخير والعزة والوحدة، هو ولي ذلك والقادر عليه إنه سميع مجيب.

متعلقات

فى فلسفة الصوم و أسرار ه (ح1)

فى فلسفة الصوم و أسرار ه (ح2)