تيشيت تحكى قصة حضارة تهددها العزلة والإهمال

تقدر المسافة بين مدينة تيشيت وعاصمة ولاية تكانت ب 220 كلم، ولعل المدة الزمنية الضرورية لقطعها والتي تمتد ليوم كامل،مؤشر واضح لوعورة الطريق التي تعجز بعض السيارات العابرة للرمال أن تقطعها فيستسلم أهلها للواقع ويتركونها وحالها وسط الرمال... ناهيك عن كثرة الكر والفر حتى بين الركاب داخل السيارة الواحدة، والتى تكفي لوحدها لمسح الذاكرة وتهيئتها للخروج من الحاضر والدخول في التاريخ روحا وجسما...

فما زالت مدينة تيشيت هي نفسها منذ أسسها الشريف عبد المؤمن، بشوارعها الجميلة التي يحكى كل واحد منها قصة تمتد لمئات السنين، ورغم قساوة الطبيعة والعزلة التامة ظلت المدينة صامدة صمود سكانها الذين قهرورا الطبيعة ووحدوا بين كثبانها الرملية وجبالها وكثوفها. فنحتوا من الجبال الحجارة للبناء واستغلوا البطاح لاستخراج الملح وتسويقه في قوافل إلى إفريقيا وأصقاع البلاد الفسيحة.

فكل ما في المدينة له تاريخه الممتد على مئات السنين، والذي يبدو أنه لم يعد يقوى على المقاومة في ظل الهجرة المفتوحة وتوق الكثير من ساكنة المدينة نتيجة قساوة الطبيعة ومتطلبات الحياة الخروج من هذه العزلة والبحث عن متسع في أرجاء الوطن الكبير. فانهارت بسبب ذلك مبان كبيرة كانت شاهدة على فترة ناصعة من تاريح حضارتنا المجيدة، لكن الاهمال والعزلة التامة تمنع من الوصول إليه، ليصبح فريسة لعاديات الزمن وللرمال المتحركة التي تكاد تأتي على الأخضر واليابس.

تميز عمراني

منارة ومسجد تيشيت توضح روعة ما أبدعه البناء في تيشيتنمط عمراني فريد، استطاع المهندسون المعماريون أن يقوموا بتخطيطه بشكل جميل، عمارات "شاهقة" من طابقين أو ثلاث في بعض الأحيان ومصارف للمياه صممت بشكل بديع داخل العمارة الواحدة. فالمهندس المعماري التيشيتي قد راعى في  تصميمه الظروف الأمنية حيث كانت البلاد سائبة وكانت تكثر فيها عمليات السطو والغارات، فخصص في العمارة طابق أرضي يصعب على من لا يعرف المنزل أن يعثر عليه، وهو مكان لوضع المؤن. نمط عمراني يدل على كفاءة وخبرة المهندس المعماري في تيشيت، حيث استطاع توحيد النمط العمراني للمدينة، الذي لا شك أن صاحبه كان على تواصل مع الأنماط العمرانية في البلدان العربية المجاورة. وقد أصبح هذا النمط العمراني حرفة يتوارثها الأبناء عن الآباء، لكن هجرة أبناء تيشيت وقلة الطلب على هذا النمط العمراني قد يقلل من الحاجة لهؤلاء البنائين الذين كانت لهم بصماتهم الخاصة التي لا تقل في أهميتها عن المخطوطات، فانهيار المباني يؤدى لانهيار المخطوطات الثمينة التي لم يبق من بعضها سوى قطع ورق ممزفة يصعب تمييز ما بداخلها.

مسجد تيشيت تاريخ ناطق

تحفة فنية فريدة، كانت أول مابناه مؤسس المدينة،فعندما تدخل من الباب الضيق للمبني، يلقاك بهو فسيح يقع وسطه المسجد وعلى أطرافه مجموعة من البيوت التي ربما تكون منزلا للقائمين على المسجد، وبجنب المسجد يوجد قبر الحاج عثمان الأنصاري الحاجي الوادني زميل ورفيق الشريف عبد المؤمن في الدراسة في مراكش. وتقول الروايات إنه وصل معه تيشيت  ومرض وتوفي هناك فتم دفنه في جوار المسجد. تحيط بالمسجد عدة مكتبات تحتوى آلاف المخطوطات، لكن الاهمال وعاديات الزمن قد جعل الكثير منها يضيع وسط الصناديق التي خصصت لحفظه. وقد أوضح الدكتور حماه الله ولد ميابا أن:"  الشريف عبد المؤمن والصالح الإدريسي اكتشفا أن هذه اللوحة تستحق أن يقام فيها مركز للعبادة ونشر الدين، وأسس مسجده الذي تم دفنه فيه ومعه زميله الحاج عثمان الأنصاري الذي كان يدرس معه على الشيخ القاضي عياض. وأكد الباحثون، يضيف- أن هذين الرجلين لجآ إلى الصحراء وهما من أبرز تلاميذ القاضي عياض الذي تعرض للمطاردة من طرف الموحدين، باعتباره منظر الحكم المرابطي. ولجأوا إلى الصحراء ربما هربا من بطش الموحدين أو إلى تجميع ما بقي من شتات المرابطين من أجل تكوين دولة من جديد وإعادة الكرة نحو الشمال.

مكتبات غنية بالتراث

وتضم تشيت 15 مكتبة من ضمنها مكتبة الفقيه أمحمد ولد أحماه الله من أكبر المكتبات وأغناها بالكتب، فهي  تضم  7000 كتاب، ضاع الكثير منها نتيجة ضعف الصيانة، كان يقوم على المكتبة الفقيه داده ولد أيده، وبعد وفاته اضطر ابن أخيه لهجرة العمل في العاصمة الموريتانية للمرابطة في هذه المنطقة المعزولة لصيانة تراث الأسرة والمحافظة عليه. ويعتبر الانتقال إلى تيشيت تحد من أكبر التحديات، سواء من الناحية الاجتماعية فمن الصعب أن تقبل أسرة كانت تعيش في القرن الواحد والعشرين  التنازل عن حصتها من هذه الحضارة والعودة للوراء فيما يقارب ألف سنة تساهم العزلة في تكريسها. ومع ذلك قبل هذا الرجل المكوث في تيشيت، وتنازل عن عمله من أجل أن لا يضيع تراث أجداده، وقد بدأ المنزل الجميل الذي يوجد فيه يتآكل، حيث سقط أحد بيوته يوما قبل زيارتنا، وكأنه أراد أن يرسل رسالة للسلطات بأن تتصرف قبل فوات الأوان، وينهار هذا المعلم الحضاري وما يحتويه من كنوز معرفية تشهد بأنه في هذه المنطقة طوع أجدادنا الصحراء وحولوها من التوحش إلى التمدن ومن الجهل إلى المعرفة.