البركة بين السنة والبدعة

 د. مولاي إسماعيل ولد الشريف - المدينة المنورة

البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء ، والمبارك ما فيه الخير كما يقول الراغب الأصفهاني –رحمه الله- وهي من اختصاص الله تعالى فهو الذي يجعلها حيث يشاء ( تبارك الله أحسن الخالقين) (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير)،و(ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء).

والبركة تطلق على معنيين:

أ‌-               النماء والزيادة ومنه: تسمية الشاة بركة كما في أثر عن علي رضي الله عنه – في مصنف ابن أبي شيبة-وفيه يقول : ( ما لي لا أرى عندكم بركة) أي شاة، ومنه بركة الطعام والماء كما في قصة ضيوف الصديق رضي الله عنهم وخبرها في الصحيح ، وكدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في الماء الذي شرب منه وتوضأ العدد القفير.

ب‌-        البقاء والدوام ، ومنه : (تبارك الله) .

وقد كثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة  لأفراد ولبيوت وجماعات ولأعمال. من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه من حديث سلمة رضي الله عنه ، قال : خفت أزواد القوم ، وأملقوا ، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم في نحر إبلهم ، فأذن لهم ، فلقيهم عمر ، فأخبروه فقال : ما بقاؤكم بعد إبلكم ، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، ما بقاؤهم بعد إبلهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ناد في الناس ، فيأتون بفضل أزوادهم " ، فبسط لذلك نطع ، وجعلوه على النطع ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا وبرك عليه ، ثم دعاهم بأوعيتهم ، فاحتثى الناس حتى فرغوا ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله "  وفعل ذلك صلى الله عليه وسلم في الماء والطعام والثمار.

وقد ثبتت البركة لأشياء كثيرة منها :

- القرآن الكريم ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون) الأنعام: ١٥٥.

-وأخبر عن بركة الرسل عليهم السلام فقد قال عن إبراهيم عليه السلام: ( وباركنا عليه وعلى إسحاق )الصافات 113.وبارك عليه وعلى آله في قوله تعالى : (..ورحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) هود 73.

 وقال عيسى -عليه السلام-كما حكى الله عنه: ( وجعلني مباركا أينما كنت) مريم: ٣١ .

- ولأشخاص كآل النبي صلى الله عليهم وسلم كما في حديث التشهد:(وبارك على محمد وعلى آل محمد) ،وآل أبي بكر رضي الله عنهم كما في البخاري من قول أسيد بن الحضير –رضي الله عنه-في آل أبي بكر (ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر)رضي الله عنهم جميعا .

-وثبتت لأماكن محددة وأوقات وأشياء عديدة أخرى من ذلك :(يوم الجمعة ، وساعتها ، ورمضان، وليلة القدر،وعشر ذي الحجة ويومها ، ومكة، والمدينة عامة ففي البخاري من حديث أنس : (اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة)وأماكن منها خاصة : كالروضة، وبيت المقدس وبلاد الشام ،واليمن ففي صحيح البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا )قَالَ قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا .قَالَ : (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا )قَالَ. قَالُوا : وَفِي نَجْدِنَا قَالَ : ( هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ).

-ولوقت السحور..ووقت نزول المطر ..وفي المرأة والولد والدار ،بل في الخيل والغنم والماء والتراب وبركة البيع والزرع والطعام…إلخ بحيث يكفي القليل منه للعدد الكثير وهذا ثابت بالخبر الصحيح ومشاهد ومعلوم بالتجربة ،ومن أظهره ماء زمزم هذا الماء الذي يطعم ويسقي ويشفي بإذن الله ومستمر في تدفقه منذ أن أجراه الله كرامة لهاجر وابنها عليهما السلام وإلى اليوم.

ومن ذلك البركة في العمر وفي العلم  وفي العمل  .

فهي إذا أمر ثابت بالشرع ومدرك بالحس ، كما أن عكسها وهو عدم البركة معلوم بالشرع وبالحس في مثل الربا ( يمحق الله الربا ويربي الصدقات)،وفي التبذير ..إلخ

وذا تلمسنا أهم أسبابها نجدها : تقوى الله عز وجل والوقوف عند حدوده وشكره على نعمائه التي لا تعد ولا تحصى وإنفاقها في أوجهها ،والصدق (فإذا صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما) ، وملازمة الدعاء الصالح من المرء لنفسه وطلبه ممن يلتمس منهم الصلاح والتقوى،والبر وحسن الخلق مع الناس كافة ومع الأهل والأرحام أولا لحديث : (من أحب أن يُبسط في رزقه، ويُنسأ له في إثره، فيصل رحمه(، قال تعالى : ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا فلتحنا عليهم بركات من السماء والأرض).

ومن أوضح صورها بركة الحرمين الشريفين قال تعالى : ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين) آل عمران الآية96.

وهذه الآية الكريمة صريحة في بركة البيت العتيق.

فالبركة فيهما حسية ومعنوية ، فالحسية بجباية الثمار والأطعمة والخيرات إليهما ولاسيما البيت الحرام  وتوفرها فيه طيلة العام وهو واد غير ذي زرع !

وهذه البركة في المدينة المنورة بضعفي ما في مكة كما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة) كما رواه البخاري من حديث أنس ،وقد لا حظ الناس ذلك وجربوه وقد جربته كذلك في قراءة  القرآن والقراءة والكتابة مرات – بحمد الله تعالى - ومنها شفاء المريض بإذن الله بسبب زيارته للبيت ودعاء الله عنده،وفي الروضة المشرفة  ومنه تحقيق الأمنيات بدعاء الله في هذه الأماكن المباركة، ومعلوم أن الله تعالى يجيب الدعاء في كل مكان( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم..) ولكن هناك أمكنة وأزمنة يستجاب فيها الدعاء أكثر من غيرها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

ومن بركة البيت خاصة والحرم المكي عامة المعنوية تعلق القلوب والأفئدة به وتوجهها إليه في الصلاة والدعاء (مثابة اللناس)، ولا يخفى ما في هذا كله من الهداية والبركة ، وذلك بفضل الله وبسبب  دعوة أبينا إبراهيم -عليه السلام- حين قال : (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيم الصلاة فجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمارت لعلهم يشكرون)ولقوله كما حكى  الله تعالى عنه : (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا ءامنا وارزق أهله من الثمارات من ءامن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمته قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ).

       وإذا أريد بالكافر هنا الكافر بالإسلام فهذا منسوخ لحرمة دخول المشركين إلى مكة ، وفيه دليل على رحمة الله بعباده عامة حتى الكفار .

وعدم تفريقه في رزقه بين المؤمن والكافر، لأنه في الرزق قال : ( ومن كفر) أي أرزقه من الثمرات كذلك ، وفرق بينهما في الولاية في قوله بعده (قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عدي الظالمين).البقرة: ١٢٤

       وإن أريد به كفر النعمة –ولعله الأظهر-ففيه تهديد شديد لمن لم يقدر هذه النعمة من المسلمين ممن امتن الله عليهم بسكنى هذين الحرمين ومجاورتهما (مكة المكرمة والمدينة المنورة) أدام الله علينا نعمهما ووفقنا لشكر تلك النعم.

ومن أهم تلك البركات كلها بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم استجابة لدعاء أبينا إبراهيم عند البيت (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم).

البركة بين السنة والبدعة:

              والناس بالنسبة للبركة صنفان وواسطة ، فصنف يجعل البركة في كل شيء ويطلبها بوسائل غير شرعية وهذا جهل وابتداع.

وصنف لا يكاد يعترف بوجودها في شيء ولا لشيء وهذا جهل وجفاء .

       والواسطة هي من فرقت بين الشرع والهوى فاعترفت بما أثبته الدليل ولو لم يدركه العقل وتوقفت فيما لم يرد فيه دليل لأن البركة من الغيب ولا تعلم إلا بالوحي وليس كل خارق دال على البركة فقد يكون غير شرعي .

والخير كله في التباع شرع المصطفى صلى الله عليه وسلم وطلب الخير فيما جاء به عن ربه فلا أحد أشفق منه صلى الله عليه وسلم على أمته ولا أحد أغير منه على دين الله .

قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه البركة وأنها ستعود في آخر الزمن في مثل قوله صلى الله عليه وسلم - في حديث وصف المهدي المنتظر- عليه السلام: وفيه (.. ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ، وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ، حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ…)

رواه مسلم

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِّ، - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ، حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلاَ يَجِدُ أَحَدا يَقْبَلُهَا مِنْهُ..) رواه مسلم