ترجمة النابغة القلاوي

النابغة القلاوي ( ت 1245 هـ)

أحد أبرز العلماء القلاويين، وقد اشتهر في منطقة القبلة في موريتانيا حيث استقر بها قادما من الحوض، وهو الفقيه، المصلح، الناقد، الغيور على الدين، الشديد على أدعياء العلم. وصاحب المؤلفات الفريدة فى بابها والطريفة فى مسمياتها، كمثل نظم "بوطليحية" الشهير الذي حصر فيه المعتمد من المراجع الفقهية في المذهب المالكي وعمل فيه على ترشيد الفتوى وضبط مصادرها، وكذلك نظم "خطية فم الحاسي" فى ذم بعض الممارسات التى لا تتماشى مع الشريعة. كما أنه صاحب المؤلفات الفقهية التعليمية كمثل "الأزهري في شرح مختصر الأخضري".

اسمه ونشأته: محمد النابغة بن عبد الرحمن بن أعمر بن بنيوك السلاوي , من آل تاج الدين المساوي فرع من عشيرة أولاد موسى بن محم بن أحمد بن محمد قلي المعروفين أولاد موسى البيظ من قبيلة الأغلال الزاوية .وأمه ميمونة ينت عبد الله بن الحاج حماه الله القلاوي .  ورغم معرفتنا بتاريخ وفاة الرجل إلا أن مولده يبقى أمرا مجهولا وإن برزت بعض القرائن تؤكد أن عمره تجاوز السبعين.

وأغلب من ترجم له يذهب أنه ولد فى الحوض فى نواحي تامشكط. وما هو أكيد أنه نشأ فى منطقة الحوض وشب وتعلم فيها، حيث درس النابغة على والده، وأخذ عن خاله العلامة عبد الله بن الحاج حمى الله القلاوي، ناظم الرسالة والأخضري والخزرجية والنقاية وغيرها،  والذى اتفق المترجمون أنه خاله وشيخه و قد تأثر به النابغة، وكان يذكره و يستشهد بكلامه، من ذلك قول النابغة في منظومة أحكام الردة:

ثم يقول شيخنا وخالي >>><<< عبد الإله في زمان خالي
لو جلس اليوم خليل بدلا >>><<< مراعيا طوارئا و عملا

تكوينه العلمي ونبوغه 
كان النابغة مفرط الذكاء ورويت عنه في ذلك حكايات تدل على أنه نبغ في صغره من ذلك ما روي أنه كان رديف خاله المذكور وهو صغير فالتقيا بالمختار ابن بونه على جناح سفر فانتهز ابن بونه فرصة اللقاء ليعرض نظمه على الألفية المعروف بالاحمرار على عبد الله بن حماه الله ولما انفصل الردف عن ركب ابن بونه إذا بالنابغة يحفظ النص عن ظهر قلب ولقبه " النابغة " له قصة وهي أنه كان مع خاله في نخله وكان يقرئه القرآن وعمره سبع سنوات فظل يوما يأكل الرطب ثم راحا في المساء للحي فحلبت للشيخ عبد الله ناقة فبادر الصبي فارتغى من اللبن فهرع خاله ليكفه خوفا عليه من التخمة فقال بديهة :
وليس في الرغوة ضر يوجد == لقوله جل فأما الزبد
يشير لقوله تعالى ( فأما الزبد فيذهب جفاء ) فقال خاله هذا الطفل نابغة فصار هذا لقبه من ذلك الحين...
وقد طاف النابغة بلاد شنقيط في التزود من العلم. وهاجر إلى منطقة القبلة حيث يقول :
إني خرجت من ارض الحوض هيمانا == ولا أريد سوى أبناء ديمانا
أبغي زيارتهم من بعد كتبهم == نعم المزور ونعم الكتب أيمانا

وزار ولاته فقال في ختام كتابه العدة في أحكام الردة :
وافى ختامه أذان المغرب == في قصر والاة بأرض المغرب

أبرز شيوخه:
- خاله الشيخ عبد الله بن الحاج حمى الله كما أسلفنا 

- الشيخ الحساني : ذكره النابغة في كتابه ( المباشر على ابن عاشر ):" قال شيخنا الحساني _رحمه الله_:الثلاث حكايات قليل,ومنها إلى العشرة توسط,وما فوقه كثير"

- الشيخ أحمد بن عاقل الدِّيماني : لزمه النابغة و اعتمد أقواله من ذاك قوله في هذه المنظومة برقم 128 :

أفتى بذلك شيخنا ابن العاقل >>><<< وهو ظاهر لكل عاقل

ولما توفي شيخه المذكور ولد أحمد العاقل قال قصيدة طويلة يرثيه فيها كل أشطارها الأخيرة تقريبا مضمنة من الألفية ومنها :
يا أسف الدين وكل عاقل == على وفاة شيخنا ابن العاقل
يا أسف المنطق والكلام == كم بهما أصبح من كِلام
لموته قد ريعت ألف روع == على أصول الفقه والفروع
من ذا الذي يعرف سر الحرف == فذاك ذو تصرف في العرف
من ذا الذي من بعده يقول من == يصل إلينا يستعن بنا يعن
لما نعوه وذكرت فضلهْ == كلي بكى بكاء ذات عضلهْ
وبت ساهرا بليل أليل == مروع القلب قليل الحيل
قلت لجلد مضمر أي جزع == فلا تكن جلدا وتظهر الجزع
وقلت لما قال لي أين المفر == أيا ابن أمى يا ابن عمى لا مفر
حياته عارضة وصفيه == فألغين عارض الوصفيه
لو كان غير الله حيا قد بقا == لكان أولى من سواه بالبقا
أو كان يفدى بكذا ما ذهبا == لو كان مثل ملء الأرض ذهبا
لكن مثل الشيخ عند من غبر == ملتزم فيه تقدم الخبر

ولذلك قال المختار بن حامدن إنه أضاف للشعر فنا جديدا بهذه القصيدة فقال :
الحمد لله وبعد فالنا == بغة زاد في القريض فنا
إذ ضمن الأعجاز من ألفيه == مقاصد النحو بها محويه
وهي قصيدة طويلة

أهم مؤلفاته:

- "نظم بوطليحية" في ذكر المعتمد من الكتب و الفتوى عند المالكية وهو نظم في الأصول ضمنه مسائل فقهية وأخرى عقدية ,وهو نظم من 314 بيت.

- "منظومة العدة في أحكام الردة" منظومة من 134 بيت يقول في خلالها:

و بعد فالردة كفر المسلم >>><<< منـي سلام نج كل مسلم
فقد كثرت في بابها الدعاوي >>><<< والمدعي مثل الكلاب العاوي
لأنه كالكلب الأطرش إذا >>><<< ما لهث الكلاب ينبح إذا
وخاض فيه اليوم جل الطلبه >>><<< لا مثل من فهم خليل غلبه
فصار كلهم له نوازل >>><<< يفتي بها لكنها هوازل
فكفروا بزعمهم أفواجا >>><<< لم يكفروا وفرقوا أزواجا
بكل ليس مراد لخليـل >>><<< و لم يرده من شروحه خليل


-"المباشر على ابن عاشر": وهو شرح على متن ابن عاشر وقد اختصره اختصارا شديدا.قال في آخره:'وسميته المباشر على ابن عاشر و ستضربون أكباد الإبل شرقا ومغربا ولا تجدون شرحا على هذا الكتاب مثله و الله أعلم' .

- "الأزهري شرح عبادات الأخضري ": وهو شرح على مختصر الأخضري في العبادات.

-" شرح نظم شيخه عبد الله بن حاج لمختصر الأخضري": وهو نظم من 277 بيت يقول في أوله:

عبد الإله الشنجيطي يشتري >>><<< بعقده المنظوم تبر الأخضري


-"منظومة ذات الوليين": وهو نظم في المرأة التي عقد لها وليان لمن تكون للزوج الأول أم الثاني ,و التي يقول فيها :

حلفت بالبيت و بالمثاني >>><<< ما التَّندِغيَّة لغير الثاني
لكونه خطب أيما بلا >>><<< علم بمانع لها فقبلا
من بعد إيجاب من الولي >>><<< الأخص وفق شرعة النبي

- وله نظم فى ذم بعض الممارسات التى لا تتماشى مع الشريعة سماه " خطية فم الحاسي " 

- وله مغني اللبيب على شرح ابن مهيب 

- وله شرح لقصيدة " لقد كان خير الخلق " 

- وله كتاب فتح المربي على صلاة ربي لمحمد اليدالي وهو تكملة للمربي على صلاة ربي لليدالي

- وله شرح قصيدة " إن همي كتابك المستبين " لمحمد اليدالي

- وله كتاب  "النجم الثاقب فى بعض ما لليدالي من مناقب"

-  وله منظومة " أم الطريد " وهي منظومة فى العبر والتاريخ :

 الحمد لله الغنـي الباقـي ==== مُبيد أهل الأرض والطِّبَاق

الوارث الأرض ومن عليها  ====مَن مِنها انْبَرَى إليها

ثم الصلاة والسلام عبقـا==="على"مَنِ"استحال"بعدَها"لبقا

هذا وذي تذكـرة للنـاس=== نظمتها تذكـرة للناسـي

سميتها بعقـد أم اطْرِيـد ===ِفي عظة الواعظ والْمُريـد

قالت لنا أم الطريد الدنيـا ===ليست بشيء كلها لاثنيا

وشهد البَهْجَ لها علـى ذا ===وقل من بحكـم ذيـن لاذا 


نشاطه العلمي و الاجتماعي:

ما لبث النابغة أن أصبح من أبرز فقهاء منطقة القبلة، بعد استقراره فيها. ويذكرون أنه أول ما أقام بين أهلها، نهض سيفا مسلولا على ما يراه مخالفا للشرع من سلوكيات و عوائد أهل المنطقة، فكانت أول بادرة منه عند مقدمه حسبما ترويه الحكاية الشعبية المتواترة أن انتقد مجموعة من الظواهر التي تعارفها أبناء المجتمع و ألفوها.

ومن مآخذه على أهل الأرض، ثلاث مسائل رآها غير شرعية. وهي أولا: الإختلاط بين الأجانب ، ثانيا:عدم الإكتراث بأموال اليتامى بتركه عند الرعاة دون رقابة ولا تدقيق,وكثرة الإجار عليه عند السقي ،وثالثا: التيمم دون سبب ظاهر .
ولما سمع شيخه أحمد بن محمد العاقل بذلك قال أنه سيجيبه عن هذه المسائل بعد مشاهدتها كل واحدة منها على حدة. فبالنسبة لمال الأيتام فبعد ثلاثة أيام ،وبالنسبة للتيمم فبعد شهر ، بالنسبة للإختلاط بين الأجانب فبعد سنة.

 أما الأولى فقد أوصى أحمد كل من يكفل يتيما أن لا يسقي شيئا من ماله إلى ثلاثة أيام فلما كان اليوم الرابع و بلغت الماشية من العطش مبلغا كبيرا أتى أحمد و النابغة البئر ، فلاحظ النابغة ماشية في غاية العطش ,وسأل عنها لمن هي ؟ فأجابه أحمد أن ذلك مال أيتام الحي .فقال النابغة :واجروا على هذا المال من يسقيه بثلثه إن وجد وإلا فبنصفه .فقال له أحمد :هذه إحدى المسائل التي استشكلت ،ولقد كان يسقى من دون أجرة,وربما يشرب أحد من القائمين عليه من بعض لبنه أو يركب من ركابه.
فقال النابغة: ارجعوا إلى ما كنتم عليه معهم. وأمَّا الثانية المتعلقة بالتيمم، فقد وجد النابغة نفسه بعد شهر من استعماله للماء لا يستطيع أن يزيل الوسخ عن يديه فضلا عن أن يتطهر به لما أصيب من مرض الشقيقة جراء ذلك...وأما الثالثة فقد سأله شيخه أحمد لما دارت السنة هل سمع بطروء دعي في الحي ؟ فأجابه النابغة بالنفي .فرد عليه أحمد قائلا :إن الأجانب عندنا كقرون البقر تتقارب و لا تتماس .

و مِن المفارقة أنه رغم أخذه -النابغة-على أهل القبلة هجران الماء غسلا ووضوءا فقد أفتى بعدم جواز استعمال الوضوء في ولاته فيقول:

الماء في ولاته لا يحـل >>><<< بِهِ الوضوء غالبا و الغسل

 
كما انتقد الكثير من المسائل التي اعتادها المجتمع و درج عليها عمله فيقول:
علامة الجهل بهذا الجيــل >>><<< ترك الرسالة إلى خليــل
وترك الأخضري إلى ابن عاشر >>><<< و ترك ذين للرسالة احذر
...
إن خَليلا صار مثل الشــم >>><<< يشمه كل قليل الفهــم
قد استوت فيه الكلاب و الذئاب >>><<< ما أبعد السماء عن نبح الكلاب

وقال أيضا في منظومة أخرى :
فإن عثرت فالجواد يعثر == وذاك في ظرف الزمان يكثر
ومن أتى بالنص من خليل == صيرت عن نصه دليلي

ويقول أيضا في نظمه "جامع الإيمان" منتقدا و آخذا على بعض أبناء مجتمعه ما أصبحوا يلهجون به من دعاوى و يتداولونه من فتاوى هشة :

نظمتـه للعلمـاء الجِلَّــة >>><<< ردا لكـل طالِـبٍ للحلَِّــة
وعلمه وَعْوَعَـةٌ و جَعْجَعَـهْ >>><<< وهو في كـل العلوم إِمَّعَـهْ
ومن تزبُّبٍ وهو حصـــرم >>><<< ومن تفضل وهو معـــدم
تَحَكَّكَتْ عَقْرَبَةٌ بالأفعـــى >>><<< و استَّنت الفصلان حتى القرعا
قد هزلت حتى بدا بيت الطويل >>><<< وسام كل مفلس نص خليـل

وقال في مسألة تعرف بالتندغية أنشبت خلافا بينه وبين شيخه ابن أحمد العاقل وحاصلها أن امرأة واعدت رجلا أن تتزوجه ولا تتزوج غيره وركنا على ذلك فلما كان قريبا من عقدها عقد عليها آخر ودخل بها وادعى الأول أن عقده كان قبل الثاني فقال ابن العاقل إن الأول أولى بها وقال النابغة بالعكس فقال :


حلفت بالبيت وبالمثاني == ما التندغية لغير الثاني
لكونه خطب أيما بلا ===    علم بمانع لها فقبلا
من بعد إيجاب من الولي == الاخص وفق شرعة النبي

وقد استقضاه الأمير التروزي أعمر بن المختار -المتوفى سنة1245هـ - في شأن قضية الخلاف الشائك بين قبيلتي 'أهل باركله' و'تندغة' -أهل بوحبينني- وكانا قد تنازعا في أيهما يسبق ليبيع صمغه على ضفة النهر،فأرسل النابغة إلى كل الجهات ليأتي بنموذج من أرضه فلما جاءته الأرض فإذا فيها المحار فحكم لتندغة وقال :

أقسم أن الأرض أرض تَنْدَغَا >>><<< ومن أراد سبقهم فقد بغى


وحاول بعض معاصريه ممن حسده على توليه القضاء التنقيص من شأنه، فرد عليهم بقوله:

قالوا و أنت لم تكن شمساويا >>><<< فهل يصح أن تكون قاضيا
قلت القضاة في القرون الأولى >>><<< ليسوا بتاشمس وكانوا أولى
وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر >>><<< إذ المراد مع سقوطه ظهـر
 
توفي النابغة عليه الرحمة والرضوان سنة 1245هـ.