ترجمة العلامة محمد اليدالى

العلامة محمد اليدالي / 1096هـ - 1166هـ ، رحمه الله رحمة واسعة،أحد الفطاحل الأفذاذ ممن يجدُر أن تفتخر بهم البلاد.  وبفضل ما تميز به من موهبة نادرة وذكاء متقد، بالإضافة إلى الهمة العالية، أجمع المؤرخون على علو كعبه، ويكفيه ما ألف النابغة القلاوي فى شأنه تحت عنوان " النجم الثاقب فى بعض ما لليدالى من مناقب" .

مولده ونشأته وتكوينه العلمي:

ولد محمد اليدالى سنة 1096هـ عند بير شهيرة تسمى(بيرتندگسم) من منطقة(القبلة)، بولاية اترارزة وكان ميلاد اليدالى المذكور بعد شربب الشهيرة بعشر سنوات، تلك الحرب التى اصطلى بنارها المغافرة (بنو حسان) فى ولاية اترارزة وبعض زوايا تلك المنطقة خاصة قبيلة اليدالى ، فى هذه الظروف الصعبة نشأ اليدالى وفتح عينيه على ذلك الواقع المرير وتأثر به أيما تأثر ، ولا يخفى ذلك على المتتبع لأعماله أدبية كانت أم فقهية.

واسمه الكامل: محمد بن المختار بن محمد سعيد بن المختار من قبيلة (إدوداي) اليداليين التى تنتمى إلى تحالف (تشمشمه) المعروف ويتألف من : إديقب وإدگبهنى وإداچفاق وإدوداى والديمانيين، وكثيراً ما ينسب اليدالى للديمانيين لأن اليداليين والديمانيين يكونان حلفا داخل تجمع تشمشه كما أن إداچفاق وإدگبهنى يكونان تحالفاً آخر وفى هذا المعنى يقول الشيخ محمد المامى بن البخارى رحمه الله

وكنا خمسة الحفاظ منا=== مضاعفة وغير مضاعفينا
 
تضاعف من تيامن وانفردنا=== بثغر لا يقال به (منونا)
 

تلقى اليدالى مبادئ تعليمه الأولى فى بيت أهله وقرأ القرآن على شيخه أشفغ أبى محمد عبدالله بن عمر التونكلى، وأخذ عن أشياخ آخرين من أبرزهم: مينحن بن مود بن مالك، وأحمد بن أشفاق المختار بابو، والمختار بن الفاغ موسى.

وقد تميز اليدالى بموهبة نادرة وذكاء متقد كان له أثر كبير فى تعليمه قبل كل شئ وقد غذى هذه الموهبة وهذا الذكاء بهمة عالية لا تلين ولا تقف عند حد، وهذا ما جعل بعض الباحثين يصفه بأنه (رجل عصامى علم نفسه بنفسه) وهكذا استمر اليدالى منكباً على العلم والتحصيل حتى غدا أحد أربعة لم يبلغ فى العلم أحد مبلغهم فى هذا القطر شنقيط كما يقول أحمد بن الأمين. وتخرجت على يد الشيخ/ محمد اليدالى مجموعة بارزة من علماء هذه البلاد ، ويعتبر اليدالى شخصية علمية فذة جمعت معارف متنوعة شملت مختلف العلوم الشرعية واللغوية والأدبية والتاريخية ، فهو شاعر مفلق وناقد لامع يحترم الجميع رأيه ويعترفون له بالإمامة والسبق فى هذا الميدان ، وكانت أغلب أغراضه الشعرية المديحيات والابتهالات وما شاكلها وقد ترك اليدالى ديواناً شعرياً يقارب ألف بيت...

 والشيخ اليدالى صوفى على الطريقة الشاذلية وقد أخذها عن شيخه: مختار بن المصطفى اليدالي ويقال إن هذا الشيخ هو أول من أدخل الشاذلية إلى منطقة(القبلة)،

مؤلفاته :
لليدالى تآليف كثيرة فى موضوعات متعددة، تدل على مكانته العلمية، وهو من أوائل المؤلفين الشناقطة الذين وصلت إلينا كتبهم ومن أهم مؤلفاته :
1- الذهب الإبريز فى تفسير كتاب الله العزيز

ولعل أهم مؤلفات اليدالي هو تفسيره هذا، الذى كان مشروعه العلمي الذى بذل فيه جهده  وشغل باله وأخذ عليه أوقاته، وعاش معه معاناة عظيمة، خاصة مع صعوبة الحياة البدوية وكثرة المشاغل والهموم، قائلا إنه "اختطفه من بين أساود الهموم وأسود الأهوال، مع تشويش الخاطر وشغل البال، وتوالى العوائق الرائحة والغادية، وترادف الأسفار وجولان البادية ..." وقد تناولنا فى مقال عرضنا فيه الكتاب، بعض ما قاله من شعر فى وصف معاناته فى سبيل هذا العمل. ولما أكمله حفل به كثيرا ، إذ هو عصارة فكره وزبدة درسه وعمله؛

 ويُعتبر  "الذهب الإبريز فى كتاب الله العزيز" موسوعة تفسيرية إذ يقع فى أربع مجلدات تتصدرها مقدمة بالغة الأهمية، وتختم كذلك بخاتمة مفصلة.  وتوجد منه مخطوطة فى المكتبة الأهلية بولاتة.

 وقد كتب الباحث الفرنسى  لاكونت أفرانك بحثاً عن التفسير الصوفى فى الذهب الإبريز وحصل به على شهادة الدراسات المعمقة من جامعة مارسيليا سنة 1995 م.  كما قد اعتنى بهذا التفسير الأستاذ الجليل: الراجل بن أحمد سالم، حفيد المؤلف، فكتبه جميعاً وصححه...


2- خاتمة التصوف وشرحها

وتاريخيا يُعتبر اليدالى من أبرز أوائل مؤسسى الصوفية الشنقيطية الذين صبغوا حياتهم الثقافية بصبغة صوفية خالصة، ويتجلى ذلك فى كتبه بصفة عامة وخاصة تفسيره الذهب الإبريز، وكتاب الأفعى، وخاتمة التصوف، وغير ذلك من كتبه، كما أن الذين كتبوا عن حياته بينوا جوانب كثيرة من تصوفه مثل النابغة القلاوى فى كتابه المذكور (النجم الثاقب فى بعض ما لليدالى من مناقب)


3- شيم الزوايا، تحدث فى هذا الكتاب عن أخلاق زوايا "تشمشمه"

4- فرائد الفوائد: وهو كتاب فى العقائد على طريقة المتكلمين الأشاعرة


5- النصيحة لأبناء عمومته


6- الصوارم الهندوانية فى رد شبه الجيم السودانية

7- حلة السير  "فى السيرة النبوية"

8- رسالة اللفعة


9- أمر الولى ناصر الدين


10-المربى على شرح صلاة ربى، وكتب أخرى

 

وعلاوة على ذلك فإن اليدالى فقيه بارز له فتاوى وشروح فقهية، شملت عدداً من المواضيع، كما أنه أصولى بارز، وعالم بالسير، وتآليفه فى هذا الميدان كثيرة، وقد أوصل البعض عدد تآليفه إلى الخمسين. أما هو فكان يستقل ما ألف ويتمنى لو أتيحت له الفرصة ليقدم أكثر ولكن حياة البادية حالت دون ذلك، يقول : (لو لم أكن بدوياً لألفت مثل ما ألف السيوطى)...

مكانة الشيخ الاجتماعية :
لقد تبوأ الشيخ اليدالى مكانة اجتماعية متميزة فى قومه بفضل علمه وأدبه وأخلاقه، فقد عُرف عنه أنه لم يركز بصره على أحد لأدبه الجم وخلقه الرفيع، وكان قريباً من مجتمعه متفاعلاً معه، معلماً وناصحاً ومصلحاً يسعى لبناء مجتمع الفضيلة الذى ينشده والذى حدد أسسه فى كتابه "شيم الزوايا"، وكانت له صلات ومودة مع العلماء والأمراء فى عصره، كما نصحهم وتعرض لمآخذهم، فرد عليهم الرد الجميل المقنع، ويمكن أن نقول بدون مبالغة أن اليدالى كان لسان حلف تشمشمه الناطق، جرد قلمه لذكر مآثرهم والدفاع عن قضاياهم، وقد ظهر ذلك فى كتبه ومواقفه.

 

 

متعلقات

العلامة اليدالي وتفسيره الذهب الإبريز