العلامة اليدالي وتفسيره الذهب الإبريز

يُعتبر العلامة محمد اليدالى أحد الفطاحل الأفذاذ ممن يجدُر أن تفتخر بهم البلاد.  وبفضل ما تميز به من موهبة نادرة وذكاء متقد، بالإضافة إلى الهمة العالية، أجمع المؤرخون على علو كعبه، ويكفيه ما ألف النابغة القلاوي فى شأنه تحت عنوان " النجم الثاقب فى بعض ما لليدالى من مناقب" .
ولعل أهم مؤلفات اليدالي تفسيره للقرآن، الذى كان مشروعه العلمي الذى بذل فيه جهده  وشغل باله وأخذ عليه أوقاته، وعاش معه معاناة عظيمة، خاصة مع صعوبة الحياة البدوية وكثرة المشاغل والهموم، قائلا إنه "اختطفه من بين أساود الهموم وأسود الأهوال، مع تشويش الخاطر وشغل البال، وتوالى العوائق الرائحة والغادية، وترادف الأسفار وجولان البادية ..." وسنمر ببعض ما قال من شعر فى وصف معاناته فى سبيل هذا العمل. ولما أكمله حفل به كثيرا ، إذ هو عصارة فكره وزبدة درسه وعمله؛ وتردد فى تسميته بين عنوانين: "الدر الفريد، فى تفسير القرآن المجيد" أو "الذهب الإبريز، فى تفسير كتاب الله العزيز"  غير أن الأخير هو الذى شاع وتوجد مخطوطة لتفسيره فى المكتبة الأهلية بولاتة تحت هذا العنوان أي "الذهب الإبريز..."

ويعتبر كتاب "الذهب الإبريز فى كتاب الله العزيز" موسوعة تفسيرية إذ يقع فى أربع مجلدات ضخمة تتصدرها مقدمة بالغة الأهمية، وتختم كذلك بخاتمة مفصلة. وقد كتب الباحث الفرنسى  لاكونت أفرانك بحثاً عن التفسير الصوفى فى الذهب الإبريز وحصل به على شهادة الدراسات المعمقة من جامعة مارسيليا سنة 1995 م.  كما قد اعتنى بهذا التفسير الأستاذ الجليل: الراجل بن أحمد سالم، حفيد المؤلف، فكتبه جميعاً وصححه...

التعريف بالمؤلف 

العلامة محمد اليدالي / 1096هـ - 1166هـ
ولد محمد اليدالى سنة1096هـ عند بير شهيرة تسمى(بيرتندگسم (بولاية اترارزة وكان ميلاد اليدالى المذكور بعد شربب الشهيرة بعشر سنوات، تلك الحرب التى اصطلى بنارها المغافرة(بنو حسان) فى ولاية اترارزة وبعض زوايا تلك المنطقة خاصة قبيلة اليدالى ، فى هذه الظروف الصعبة نشأ اليدالى وفتح عينيه على هذا الواقع وتأثر به أيما تأثر ولا يخفى ذلك على المتتبع لأعماله الثقافية أدبية كانت أم شرعية.

واسمه الكامل: محمد بن المختار بن محمد سعيد بن المختار من قبيلة (إدوداي) اليداليين التى تنتمى إلى تحالف (تشمشمه) المعروف ويتألف من : إديقب وإدگبهنى وإداچفاق وإدوداى والديمانيين، وكثيراً ما ينسب اليدالى للديمانيين لأن اليداليين والديمانيين يكونان حلفا داخل تجمع تشمشه كما أن إداچفاق وإدگبهنى يكونان تحالفاً آخر وفى هذا المعنى يقول الشيخ محمد المامى بن البخارى **:

وكنا خمسة الحفاظ منا

مضاعفة وغير مضاعفينا

تضاعف من تيامن وانفردنا

بثغر لا يقال به (منونا)


تلقى اليدالى مبادئ تعليمه الأولى فى بيت أهله وقرأ القرآن على شيخه أشفغ أبى محمد عبدالله بن عمر التونكلى، وأخذ عن أشياخ آخرين من أبرزهم: مينحن بن مود بن مالك، وأحمد بن أشفاق المختار بابو، والمختار بن الفاغ موسى0
وقد تميز اليدالى بموهبة نادرة وذكاء متقد كان له أثر كبير فى تعليمه قبل كل شئ وقد غذى هذه الموهبة وهذا الذكاء بهمة عالية لا تلين ولا تقف عند حد، وهذا ما جعل بعض الباحثين يصفه بأنه (رجل عصامى علم نفسه بنفسه) وهكذا استمر اليدالى منكباً على العلم والتحصيل حتى غدا أحد أربعة لم يبلغ فى العلم أحد مبلغهم فى هذا القطر شنقيط كما يقول أحمد بن الأمين وتخرجت على يد الشيخ/ محمد اليدالى مجموعة بارزة من علماء هذه البلاد ، ويعتبر اليدالى شخصية علمية فذة جمعت معارف متنوعة شملت مختلف العلوم الشرعية واللغوية والأدبية والتاريخية ، فهو شاعر مفلق وناقد لامع يحترم الجميع رأيه ويعترفون له بالإمامة والسبق فى هذا الميدان ، وكانت أغلب أغراضه الشعرية المديحيات والابتهالات وما شاكلها وقد ترك اليدالى ديواناً شعرياً يقارب ألف بيت...

- واليدالى فقيه بارز له فتاوى وشروح فقهية، شملت عدداً من المواضيع، كما أنه أصولى بارز، وعالم بالسير، وتآليفه فى هذا الميدان بارزة، وقد أوصل البعض تآلفه إلى خمسين تأليفاً، وهو يستقل ما ألف ويتمنى لو أتيحت له الفرصة ليقدم أكثر ولكن حياة البادية حالت دون ذلك، يقول : (لو لم أكن بدوياً لألفت مثل ما ألف السيوطى)، والشيخ اليدالى صوفى على الطريقة الشاذلية وقد أخذها عن شيخه: مختار بن المصطفى اليدالي ويقال إن هذا الشيخ هو أول من أدخل الشاذلية إلى منطقة(القبلة)، وهى المنطقة التى نشأ وعاش فيها اليدالى

- ويعتبر اليدالى من أبرز أوائل مؤسسى الصوفية الشنقيطية الذين صبغوا حياتهم الثقافية بصبغة صوفية خالصة، ويتجلى ذلك فى كتبه بصفة عامة وخاصة تفسيره الذهب الإبريز، وكتاب الأفعى، وخاتمة التصوف، وغير ذلك من كتبه، كما أن الذين كتبوا عن حياته بينوا جوانب كثيرة من تصوفه مثل النابغة القلاوى فى كتابه المذكور (النجم الثاقب فى بعض ما لليدالى من مناقب)

تآليفـــه :
لليدالى تآليف كثيرة فى موضوعات متعددة، تدل على مكانته العلمية، وهو من أول المؤلفين الشنقيطيين الذين وصلت إلينا كتبهم-إن لم يكن أولهم- ومن مؤلفاته :
1- الذهب الإبريز فى كتاب الله العزيز
2- خاتمة التصوف وشرحها
3- شيم الزوايا، تحدث فى هذا الكتاب عن أخلاق زوايا "تشمشمه"

4- فوائد الفوائد: وهو كتاب فى العقائد على طريقة المتكلمين الأشاعرة
5- النصيحة لأبناء عمومته
6- الصوارم الهندوانية فى رد شبه الجيم السودانية

7- حلة السيرا فى أنساب خير الورى "فى السيرة النبوية"

8- رسالة اللفعة
9- أمر الولى ناصر الدين
10-المربى على شرح صلاة ربى، وكتب أخرى

مكانة الشيخ/ محمد اليدالى الاجتماعية :
لقد تبوأ الشيخ اليدالى مكانة اجتماعية متميزة فى قومه بفضل علمه وأدبه وأخلاقه، فقد عرف عنه أنه لم يركز بصره على أحد لأدبه الجم وخلقه الرفيع، وكان قريباً من مجتمعه متفاعلاً معه، معلماً وناصحاً ومصلحاً يسعى لبناء مجتمع الفضيلة الذى ينشده والذى حدد أسسه فى كتابه "شيم الزوايا"، وكانت له صلات ومودة مع العلماء والأمراء فى عصره، كما نصحهم وتعرض لمآخذهم، فرد عليهم الرد الجميل المقنع، ويمكن أن نقول بدون مبالغة أن اليدالى كان لسان حلف تشمشمه الناطق، جرد قلمه لذكر مآثرهم والدفاع عن قضاياهم، وقد ظهر ذلك فى كتبه ومواقفه.

 

تفسيراليدالى: الذهب الإبريز فى تفسير كتاب الله العزيز
الذهب الإبريز فى كتاب الله العزيز، وهو تفسير يقع فى أربع مجلدات ويبلغ1560 صفحة بالمقاس29×22، وعدد الأسطر فى الصفحات تتراوح بين34 و32، أى ما يقارب51480 سطراً، وعدد الكلمات فى السطر13 كلمة فى الغالب، أى ما يقارب69240 كلمة، وقد اعتنى بهذا التفسير الأستاذ الجليل: الراجل بن أحمد سالم، حفيد المؤلف فكتبه جميعاً بيده وصححه تصحيحاً دقيقاً، حيث بحث عن جميع نسخ الكتاب الموجودة، وأخرج منها نسخة مصححة مكتوبة بخط جميل على ورق قوى، وقد اعتمدنا على هذه النسخة فى النماذج التى أخذنا من الذهب، كما قام بعض طلبة المعهد العالى للدراسات والبحوث الإسلامية بتحقيق أجزاء متفرقة من هذا التفسير، وقد كتب لاكونت أفرانك الفرنسى الجنسية بحثاً عن التفسير الصوفى فى الذهب الإبريز وحصل به على شهادة الدراسات المعمقة من جامعة مارسيليا1995م
ويذكر الشيخ/ بن محمد عينينا فى تحقيقه لجزء سورة يوسف من تفسير الذهب أن العلامة اليدالى تأثر تأثراً بالغاً بأربع علماء كان لهم أثر بالغ فى تكوين شخصيته، اثنان منهم من أشياخه وهما :
1- الفقيه مينحن ولد مودى مالك الذى تقدم أنه شيخه

2- مختار ولد المصطفى وهو شيخه الذى أخذ عنه الطريقة الشاذلية كما تقدم أيضاً0 أما الآخران فلم يدركهما ولكنه متأثر بهما وهما :
1- الإمام السيوطى ت911هـ الذى تأثر بكتبه تأثراً بالغاً وقد تقدم قوله: لو لم أكن بدوياً لألفت مثل ما ألف السيوطى0
2- ناصر الدين الديمانى ت1075هـ، الذى كان قائدا لطائفة الزوايا فى حرب شرببه المتقدمة الذكر، فقد أعجب بعلمه وورعه وكان متأثراً به تأثراً بيناً، وقد ألف فى مناقبه كتاباً سماه "أمر الولى ناصر الدين"

ويعتبر الكتاب موسوعة تفسيرية إذ يقع فى أربع مجلدات ضخمة تتصدرها مقدمة بالغة الأهمية، وتختم كذلك بخاتمة مفصلة، وقد كان اليدالى وهو يعقد العزم على تأليف كتابه يحس أنه مقبل على مشروع كبير، لذلك نظم منظومة مطولة توسلية يطلب العون خلالها من الله ويستغيث به وقد استفتحها قائلاً :

إن همى كتابك المستبين

يا إلهى يا من به نستعين

أنا من خادميه والمستحق

الدهر للخدمة الكتاب المبين

حبه فى قلبى وخدمته ما

عشت دأب وديدن لى ودين

وأعنى يا ذا الجلال عليه

وأعن من يعيننى يا معين

يا إلهى واجعله لى شافعاً لا

محلاً للفعل القبيح يبين

واستفتح مقدمته بالتأكيد على أفضلية القرآن داعياً إلى الاهتمام بهذا النص المحكم وتدارسه، إذ هو أعظم ما جرى به النطق وأكمل ما سطر به فى الطروس وهو عماد معارف الشرع ومنطلق علوم اللسان:
(إن أجل القربات على الإطلاق، وأفضل ما فاهت ألسن النطاق، وسطرته الأقلام فى الألواح والأوراق، كلام الله وكتابه المجيد، الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، الذى هو جماع العلوم الربانية ونظامها، ومالك الشريعة الحنيفية وقوامها، ومبدأ خيرات الدنيا والآخرة وختامها ورئيس العلوم الدينية ورأسها، ومبنى قواعد الشرع وأساسها).
وأثر ذلك يحدد لنا الدوافع التى دعته إلى هذا التأليف جاعلاً من أبرزها أفضلية خدمة القرآن، منبهاً إلى أن علم التفسير هو تاج العلوم وجوهرها الكريم، دون أن ينسى كثرة عجائبه وعلومه، إذ هو معين لا ينضب وعين ثرة ولعل ما زاد اهتمام الرجل بالتفسير صدود معاصريه عنه وإعراضهم عن سبيله، إذ يكاد يكون همهم منحصراً فى الحفظ والاستظهار دون التدبر والتفكر فى الدلالات والمعانى يقول: (ثم لما كانت خدمته من أفضل الأعمال وأمتنها حبالاً، وعلومه أقرب العلوم إلى الله وأرسخها جبالاً، وعلم تفسيره أعظم العلوم قدراً، وأرفعها شرفاً ومناراً، وكانت عجائبه وعلومه غزيرة جمة، ولم تطمح من أبناء الزمان إليها الهمة، بل جل اهتمامه إنما هو مقاساة حفظه ومعاناته، معرضين عن تدبر معانى آياته، حتى أنك ترى مكلفهم يستغرق فى دراسته الأوقات، وهو لم يحصل فرض العين فى أمور الديانات، فحرموا بذلك شريف فضله وجزيل خيره، ولم يعلموا أن حرف تدبر أفضل من حرفى غيره نهضت بحول الله تعالى وحسن عونه إلى تفسيره، راغباً إلى الله فى قبوله وتسهيله، وتيسيره، ومتضرعاً إليه فى التوفيق للاقتداء به، والعمل به وفهم أسراره ونكته وآدابه)
ولا ينسى اليدالى أن يحدثنا عن تعامله مع مصادره فى هذا التفسير التى استأنس بها أو رجع إليها فى ثنايا مؤلفه، منوهاً بقيمة كتابه منتهياً إلى انفراده بذخائر لا توجد فى غيره من الكتب.

وقد أوجز مميزات هذا التفسير فى ثلاثة أمور :
أولها: اعتناؤه بغريب القرآن ومشكلاته وتركيزه على المتشابه والمختلف والمتكرر

ثانيها: الحديث عن بدع التفسير والضعيف من الأقوال والتأويلات
ثالثها: استفراغ الجهد فى إخراج زبدة نفائس نادرة جمعت من صفوة التفاسير. يقول: ومعتنياً فى هذا الكتاب بثلاثة أشياء لا تكاد توجد مجموعة فى غيره من التفاسير

أحدها: كشف مشكلات القرآن ومتشابهاته ومختلفاته ومكرراته، وجل اعتمادى فى ذلك على كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس من القرآن وكتاب الفخر الرازى فى مشكلات القرآن

والثانى: ذكر الباطل من التأويلات والأقوال الضعيفة منها

والثالث: جمع المهم من ما افترق من التفاسير التى بأيدينا بحسب الطاقة، مع زيادة الفوائد ونفائس ولطائف من غيرها

وأكثر من ذلك يعرض لجانب منهاجه القائم على الاختصار، والجمع والترجيح، فأحياناً يفسر القرآن بالقرآن أو الحديث أو بكلام أئمة الصحابة من المفسرين، كما قد يتناول الأقوال الضعيفة فى الآية مبيناً درجة الاحتجاج بها وقيمتها التشريعية، دون أن ينسى علوم اللسان كالإعراب والتصريف والبلاغة، وهو كذلك يعنى برد الباطل من التأويلات والأقوال، كما أنه أحياناً يرجح بوجه من وجوه الترجيحات كتفسير بعض القرآن ببعض أو بحديث يوافقه فى المعنى أو بكثرة القائل به أو كون القائل ممن يقتدى به كابن عباس، كما إذا دل على صحة التأويل لغة، أو إعرابه، أو تصريف أو اشتقاقاً، وكتقدم الحقيقة على المجاز، ومع أن اليدالى أطنب فى تفسيره إطناباً كثيراً، وتطرق لموضوعات شتى، وأكثر من النقول عن المتقدمين والمتأخرين فيما له صلة بالتفسير وما لا صلة له به، نراه يعتذر لقارئ كتابه من الاختصار

فيقول: وإنما آثرت الاختصار لقصور همم أهل هذا الزمان، لانهزام جيش العلم وإدباره، وإقبال الجهل بجيوشه، ولا ينبغى أن يسأم طالب التحقيق من البسيط، وينتهى به الحديث إلى تحديد مصادره التى بلغت على ما يبدو ما يربو على خمسة عشر مفسراً جمعت نوادر كتب التفسير المتميزة كتفاسير مكى ابن أبى طالب، والثعالبى، والقرطبى، دون أن ينسى الاستئناس بتفاسير المتأخرين كالسيوطى مثلاً، فهو غالباً يزاوج بين مختلف هذه الكتب مخرجاً منها سبيكة بديعة التأليف مختلفاً ألوانها تضم المأثور إلى الفقه وتجمع النحو إلى الأدب وتلائم بين التصوف وعلم الكلام0
والحسنة التى تسجل لليدالى فى هذا السياق هو حرصه الشديد على عزوِ كل قول إلى قائله، مستشهداً بقولة ابن المبارك المشهورة: (الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء) .
وبعد ذلك يصرح اليدالى بعنوان كتابه يقول: ولما جاء هذا الكتاب بحمد الله تعالى محتوياً على ما تضمنته الدواوين الكثيرة والطويلة، ولكن بعد تلخيصها ومحلى بعقود الأحاديث النبوية، والأحكام الشرعية، ومطرزاً ببواقيت الفوائد السنية، والنكت الحسان البهية، ومرصعاً بفوائد درر القصص الشهية والوقائع، وموشحاً باللطائف والنفائس الجليلة، وجامعاً للزوائد، ومقتنصاً للشوارد، وكافياً من اقتصر عليه، ووافياً ببغية من جنح عليه، تقربه عين الودود، وتكمد به عين الحسود، سميته (بالدر الفريد، فى تفسير القرآن المجيد، أو بالذهب الإبريز، فى تفسير كتاب الله العزيز)  ...فكما يبدو اختار له عناوين غير أن أحدهما هو الذى راج وكتب له البقاء مع الزمن.

ويبدو أن هذا التفسير شغل بال الرجل وأخذ عليه وقته فأعجب به إعجاباً غير يسير، فهو عصارة فكره وزبدة درسه وعمله؛

يقول الشيخ محمد اليدالي أيضا عن كتابه الذهب الإبريز بعد أن أنهاه في أوائل ذى القعدة سنة 1160هـ الموافق لنوفمبر 1747م (حسب صاحب التفسير والمفسرون ببلاد شنقيط) : 

فهاك أخى هذا الكتاب مفسراً

كتاب الإله المعجب المعجز النظم

فبالله فادع بالصدق يا أخى

لجامعه بالعفو عن ذنبه الجسم

أخاف عليه وارثاً لا يصونه

ويزهد ما فيه من درر العلم

ومن شاردات جمة ونفائس

ألذ وأشهى من تعاطى ابنة الكرم

وأخشى عليه ناقداً ومحرفاً

له لم يكن فى الرأس منه سوى العظم

نعم فليصحح ناقد ذو بصيرة

أخو ثقة ثبت ذكى أخو فهم

وأخشى عليه مستعيراً يضيعه

ولم يدر ما قاسيت من تعب الرسم

ولم يعلم الجهد الذى نالنى به

وما نلت فى تحصيله من أذى الجسم

فاتعبت قلبى والبنان وناظرى

وصرفت فيه معظم الفكر والهم

فياليت شعرى من إذا مت يعتنى

به راغباً من وارث وبنى عم

ومن مسلم يرجو السعادة يبتغى

رضى الله والحسى ومغفرة الإثم

فيارب هب هذى الخصال تفضلاً

لمن يتعاطاه من العرب والعجم

وطفق كذلك أيضا يتصور فى ذهنه مسبقاً تجاوب المجتمع معه مقسماً الناس إلى أربعة فرق:

أولاها: اعترفت بالفضل والجميل فأقبلت إلى الكتاب بشغف ونهم
وثالثها: جانبت سبيله جهلاً منها بقيمة العلم والعلماء قصوراً عن الدرس والمطالعة

أما رابعتها: فإنها تشكك فى معرفته ومستواه العلمى، قاصرة الفضل على المتقدم واصفة من يشمر عن ساعد الجد فى ذلك العهد لتفسير القرآن بالجرأة والتجاسر على القرآن بغير حق، ثم يأخذ بالرد على هذه الفرقة ضمن أسلوب ممتع يميل إلى الجدل والإقناع، وقد صرح من خلاله بحاجة كل من يشتغل بتفسير القرآن إلى التسلح بالفقه والأصول والتمكن من ناصية الأدب وعلوم اللسان، منتهياً إلى أن الفضل لا يرتبط بزمن ولا يتعلق بشخص معين، فهو للأفضل ولو تأخر به الزمان، معززاً رأيه بحديث (أمتى كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره) أو كما قال كما استدل أيضاً بقول ابن مالك الطائى(إذا كانت العلوم منحاً إلهية ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على بعض المتقدمين، أعوذ بالله من حسد يسد باب الإنصاف، ويصد عن جميل الأوصاف، وفى هذه المقدمة الأولية يطلب اليدالى الرحمة لكل من يسعى جاهداً إلى إصلاح كتابه أو إطلاعه على الأخطاء يقول: (رحم الله عبداً رأى خللاً فأصلحه وأطلعنى عليه، أو طغيان قلم ناظر بعين النصح والإنصاف إليه، وبعين القبول والرضى، معرضاً عما فيه من قصور).
فإن عين الكريم عن المساوئ عمياء، وأذنه عن المصائب صماء، قال :

فقلت لهم لا تنسوا الفضل بينكم

فليس ترى عين الكريم سوى الفضل

ويشير اليدالى فى أسلوب من التواضع غير يسير إلى أنه ليس له فى كتابه سوى الجمع والتنسيق إلى مختلف المصادر والمراجع لينسق بينها ويضم بعضها إلى بعض يقول فى الرد على كل من ينتقد هذا الكتاب أو يتوجه إليه باللوم 

ومن رأى خللاً فى هذا الكتاب، فليراجع الأمهات المنقول منها، لا تصرف لى فيه إلا محض نقل كلامهم وجمعه، لأن دأبى التقاط درر العبارات من حياض العلماء، وأخذ غزير الإشارات من عياض الحكماء، فهو لسانهم وبيانهم لا بيانى، وأرجو من المولى الكريم أن يجعل سعيى فى هذا الكتاب خالصاً لوجهه الكريم. ثم ينبه إلى أن تفسيره هذا إن كانت فيه جوانب مناقشة غير مرضية فأغلبه مقبول مرضي (ومن ذا الذى ترضى سجاياه كلها) لذلك قال: "والذنب الواحد لا يهجر له الحبيب، والروضة الحسناء لا تترك لموضع منها جديب، ومن عثر فى هذا الكتاب على سهو أو زلل فيسقف على إحسان كثير، وقد نفع الله الأئمة بكتب طارت كل مطار، وجاوزت الفلوات وشواطئ البحار، وما منها باب إلا وقد وقع فيه عيب وعرف فيه غلط بغير شك ولا ريب"

واستشهد فى هذا السياق بعدة أبيات منها :

يا ناظراً فى ما عمدت لجمعه

أعذر فإن أخا البصيرة معذر

فإذا ظفرت بزلة فافتح لها

باب التجاوز فالتجاوز أجدر

ويردد أيضاً قول الحريرى فى هذا الموضوع حيث يقول :

اسمع أخى وصية ناصح

ما شيب محض الود منه بغشه

لا تعجلن بقضية مبثوثة

فى مدح من لم تبله أو خدشه

وقف القضية فيه حتى تجتلى

وصفيه فى حالى رضاه وبطشه

ويبين خلب برقه من صدقه

للشامتين ووبله من طشه

فهناك إن تر ما يشين فواره

فوراً وإن ترما يزين فافشه

وفى الأخير يبين اليدالى عذره الواضح فى صعوبة الحياة البدوية وكثرة المشاغل والهموم، يقول:
(فعذرى فيه أنى اختطفته من بين أساود الهموم وأسود الأهوال، مع تشويش الخاطر وشغل البال، وتوالى العوائق الرائحة والغادية، وترادف الأسفار وجولان البادية، وفكرتى قد استولى عليها عوائق الفتور، وفطرتى قد شغلها علائق القصور)

 وكثيراً ما يعتذر الشناقطة عن درك ما يريدون إدراكه من المعارف ببداوتهم، يقول الشيخ محمد المامى فى مقدمة نظمه لخليل :

وإننى ملتمس المعاذر

بالسن والبدو من الأكابر

فلم تكن معاهد الأعراب

أهلا لتأليف ولا إعراب

وإثر ذلك يتعرض للتأويل ليبينه لغة واصطلاحاً، فهو فى الأصل (الرجوع من الأول يقال أولته فئال أى صرفته فانصرف، وهو رد الشئ إلى الغاية فالتأويل بيان المعانى والوجوه المستنبطة الموافقة للفظ الآية، وهو متوقف على الفهم الصحيح، أما من الوجهة الاصطلاحية فهو حمل الكلام على معنى غير المعنى الذى يقتضيه ظاهر اللفظ لموجب اقتضى أن يحمل عليه ذلك اللفظ ويخرج عن ظاهره).
وبعد هذه التعريفات حاول اليدالى أن يقدم جملة من المقولات والاستشهادات التى تروم التفريق بين هاتين الكلمتين المتقاربتين دلالياً، فساق كلام الكواشى فى هذه المسألة حيث يقول: (التأويل ما يرجع فى كشفه إلى معنى الكلمة، وبيان ذلك لو قيل ما معنى(لا ريب) فنقول لا شك فهذا تفسير، فإن قيل فقد نفيت الريب، وقد ارتابوا فإن أجبت وقلت أنه فى نفسه صدق وإذا تؤمل وجد كذلك فانتفى عنه الريب فهذا تأويل). وأكثر من ذلك يوضح الحدود الفاصلة بين التأويل والتفسير بقوله: "التفسير ما يتعلق بالرواية، والتأويل ما يتعلق بالدراية".

الهوامش  

** البيتان من قصيدة "على من ساد" الشهيرة للشيخ محمد المامي التي ألحٌ فيها على نصب الإمام في "المنكب البرزخي" حسب ما هو في ديوان الشيخ محمد المامي:

على من ساد أمرد أو جنينا

وأجمل من كسا التاج الجبينا

صلاة متيم حوراء تضحي

صلاة العابدين لها قطينا

تلقى بالقبول أوان تهدى

يشيعها السلام لها قرينا

على مقدار من تهدى إليه

لكي تكسي به الدر الثمينا

والال الغر والأصحاب طرا

وتابعهم وتالي التابعينا

والأزواج الطواهر والموالي

والأصهار الحماة الأنجدينا

 

============= 

المصدر: من كتاب (التفسير والمفسرون ببلاد شنقيط) للدكتور/ محمد بن سيدي محمد بن مولاي ، بتصرف