في أسرار الحج ومقاصده

مع مطلع شهر الله ذى الحجة وولوجنا موسم "الأيام المعدودات" الشريفة، يحسُن أن نستحضر بعض أسرار الحج ومقاصده العظيمة.

فإنما شرع الله العبادات والشعائر لحكم عظيمة وغايات جليلة ، فهي تزكي النفوس، وتطهر القلوب، وتقرب العباد من ربهم جل وعلا. وهناك معانٍ مشتركة تشترك فيها جميع العبادات، كما أن هناك معانٍ خاصة تختص بها كل عبادة على حدة، ومن هذه العبادات العظيمة عبادة الحج، فللحج حكمٌ وأسرار ومعان ينبغي للحاج أن يقف عندها، وأن يمعن النظر فيها، وأن يستشعرها وهو يؤدي هذه الفريضة، حتى يحقق الحج، مقصوده وآثاره .

فالحج من أعظم المواسم التي يتربى فيها العبد على تقوى الله عز وجل، وتعظيم شعائره وحرماته، قال تعالى في آيات الحج: { ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } (الحج:32)، وأَمَرَ الحجيج بالتزود من التقوى، فقال سبحانه: { الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب } (البقرة:197)، وبين أن المعنى الذي شرع من أجله الهدي والأضاحي إنما هو تحصيل هذه التقوى ، فقال سبحانه: { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم } (الحج:32) .

ذكر الله والانقياد له: الحج موسم لذكر الله، يتربي فيه العبد على معاني العبودية والاستسلام والانقياد لشرع الله. فالحاج يؤدي أعمالاً غير معتادة على طقوس خفية المعاني، فيتجرد من ملابسه التي اعتادها، ويجتنب الزينة، ويطوف ويسعى سبعة أشواط، ويقف في مكان معين ووقت معين، ويدفع كذلك في وقت معين وإلى مكان معين، ويرمي الجمار ويبيت بمنى ، إلى غير ذلك من أعمال الحج التي يؤديها الحاج غير مدرك لمعانيها بالضرورة، سوى أنها امتثال لأمر الله، واتباع لسنة لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، كما قال عمر رضي الله عنه للحجر عندما أراد تقبيله : \" والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقبلك ما قبلتك \".

والحج يذكر المؤمن باليوم الآخر وما فيه من أهوال عظيمة يشيب لهولها الولدان، عندما يرى الإنسان في هذا الموطن زحام الناس واختلاطهم وارتفاع أصواتهم وضجيجهم، وهم في صعيد واحد ، ولباس واحد، قد تجردوا من متع الدنيا وزينتها، فيذكر بذلك يوم العرض على الله حين يقف العباد في عرصات القيامة حفاة عراة غرلاً، وقد دنت الشمس من رؤوسهم، فيحثه ذلك على العمل للآخرة والاستعداد ليوم المعاد .

الأخوة والوحدة:  والحج يثير في النفس الشعور بالأخوة بين المؤمنين، وضرورة الوحدة فيما بينهم، فالحجاج يجتمعون في مكان واحد وزمان واحد ، وهيئة واحدة ، يدعون إلها واحداً، غايتهم واحدة، ووجهتهم واحدة، فيشعر الحاج أن هذه الأمة تملك من مقومات الوحدة والاجتماع ما لا تملكه أمة من أمم الأرض، وأن بإمكانها أن تصنع الشيء الكثير إذا ما توحدت الصفوف وتآلفت القلوب واجتمعت الكلمة، وهو شعور عظيم لا يشعر به الإنسان مثلما يشعر به في هذه المواطن العظيمة . 

وفي الحج يستعيد المسلم ذكريات أسلافه من الأنبياء والعلماء والعباد والصالحين ، الذين أَمُّوا هذا البيت المبارك، ووطئت أقدامهم تلك المواطن العظيمة، فيتذكر نبي الله إبراهيم عليه السلام وهجرته مع زوجه، وما جرى لهم من الابتلاءات والكرامات، ويتذكر قصة الذبيح إسماعيل عليه السلام، ثم بناء البيت وأذانه في الناس بالحج، ويتذكر نبينا عليه الصلاة والسلام الذي نشأ في هذه البقاع ولقي فيها ما لقي من كفار قريش، ويتذكر حجة الوداع التي أكمل الله فيها الدين وأتم النعمة، وغيرها من الذكريات العظيمة التي تربط المسلم بهذا الركب المبارك، وتشعره بأهمية السير على منهجهم وتقفي آثارهم .

إلى غير ذلك من المعاني والمنافع العظيمة، التي تجل عن الحصر والاستقصاء، ولذلك ورد ذكرها في الآية على جهة التنكير والإبهام مما يدل على كثرتها وتنوعها، فقال سبحانه : { ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات } (الحج:28) .

ونذكر بشيء من الإجمال بعضا من المعاني والأسرار المخصوصة لكل منسك من مناسك الحج:


أولاً: الحكمة من الحج بشد الرحال إلى المسجد الحرام

قد يقول قائل : " لماذا نتكبد المشاق لنذهب إلى الله في رحلة الحج ؟ لماذا هذه الرحلة المضنية والله معنا, بل هو أقرب إلينا من حبل الوريد ؟ ما الداعي إلى السفر والارتحال لنقف فوق عرفة ندعوه فيها وهو القائل: "إني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان" [البقرة: 186] ؟! " وجوابه:


1- الحقيقة أن الله (قريب منا) حقاً وصدقاً, ولكننا (مشغولون على الدوام بغيره) .. إنه لا يقيم دوننا الحجب, ولكننا نحن الذين نقيم هذه الحجب : نفوسنا - بشواغلها وهمومها وأهوائها- تلفنا في غلالات كثيفة من الرغبات .. وعقولنا تضرب حولنا نطاقاً من الغرور .. وكبرياؤنا يصيبنا بنوع من قصر النظر, بل والعمى في بعض الأحيان .. فلا نعود - بسبب من ذلك كله- نرى أو نحس بشيء سوى نفوسِنا .

2- إن شد الرحال إلى مكة, وتكبد المشقات والنفقات, هي وسائل مادية للتخلص من هذه الشواغل, وتفريغ القلب لذكر خالقه, وإيقاظ الحواس على حقيقة القرب القريب لله - جل جلاله- .

3- ومن هنا كانت كلمة (عرفة)؛ فبعد رحلة من ألوف الأميال يتيقظ القلب على (معرفة)؛ فهو (يتعرف) على ربه و(يكتشف) قربه, كما (يتعرف) على نفسه و(يكتشف) بعدها عنه تعالى.

4- والحج في معناه (خروج) ..
خروج من دنيانا إلى رحاب الله ..
خروج من اعتدادنا بأنفسنا إلى الاعتداد به سبحانه ..
خروج من العبودية لـ (الأسباب) - من مال وولد وأرض وعقار ومنصب وسلطة ونفوذ وجاه- إلى العبودية لـ (سبب الأسباب) ..
خروج من حولنا وقوتنا الموهومتين إلى حوله وقوته المتيقنتين ..
خروج من إرادتنا إلى إرادته, ومن رغبتنا إلى رغبته ..

ثانياً: من أسرار الطواف حول الكعبة

1- إن المسجد الحرام – أقصد كعبته- هو أول بيت اتخذه الإنسان لعبادة الله .. ومنذ ذلك التاريخ أصبح هذا المكان (رمزاً قدسياً), أصبح (بيتاً لله), بل إن شئتَ قلتَ: أصبح (عَلَمَ الله المركوز في أرضه) .. ومن ثم, نحن نطوف حوله تعظيماً لله, متبعين في ذلك سننه وقوانينه الكونية؛
ألا تلاحظ معي - في قوانين المادة وسننها التي اكتشفها الإنسان- أن (الأصغر) يطوف حول (الأكبر), وأن (الإلكترون) في الذرة يدور حول (نواتها), وأن (القمر) يدور حول (الأرض), وأن (الأرض) تدور حول (الشمس), وأن (الشمس) تدور حول (المجرة), وأن (المجرة) تدور حول (مجرة أكبر), وهكذا إلى أمد لا يعلمه إلا الله ..
ومن ثم, فنحن نطوف حول الكعبة (تعظيماً لله), وتأكيداً على أنه سبحانه (مركز الثقل في حياتنا كلها)؛ فمنه البدء, وبه المسيرة, وإليه المصير.

2- إن الطواف رمز للحب والتعلق الكاملين بالله : شعوراً وقولاً وفعلاً .. فأنت تطوف حول بيته سبحانه بقلبك وعقلك وقدميك .. فما الطواف –في حقيقته- إلا دوران للقلب والقالب حول قدسية الله؛ صنعَ (المحب) مع (المحبوب المنعِم) الذي تٌرى نعمته ولا تٌدرك ذاته.

3- وهو رمز لدوران الأعمال حول قطب واحد, واستهداف الحركات والأفكار لهدف واحد: هو الله؛ حيث كل شيء منه وإليه .. فالطواف هو التعبير الجسمي والروحي - بالكلمة والفعل والقلب- عن (توحيد الله) وعن (مدى إخلاصك له) وعن (وحدة أهدافك الظاهرة والباطنة بتحليقها حول مراد الله واستهدافها لرضاه).
ثالثاً: من أسرار السعي بين الصفا والمروة

1- إن السعي بين الصفا والمروة – ومثله رمي الجمار, والشرب من زمزم- إعلان لارتباط الإسلام وأمته بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام وعائلته؛ لتؤكد الأمة الإسلامية بهذا الارتباط أنها سائرة على درب النبوات السابقة, ومتممة لها, لا منكرة إياها, ولا شاذة عنها.
إن مثل تلك الشعائر, التي يؤديها الحجاج, توقظ في نفوسهم ذكرى الأنبياء العظام الذين قاموا بمثل تلك الشعائر في نفس تلك المواطن, وتعيد إلى الحياة أعمالهم, وتوقظ النزعة إلى الاقتداء بهم في كل تصرفاتهم .. وهي إحياءٌ لذكريات عزيزة وأيام لا تنسى في حياة هؤلاء الأنبياء.

2- والسعي بين الصفا والمروة تذكير للمسلم بوجوب البحث والعمل والكد والسعي في حياته الدنيا إذا أراد الارتقاء والتقدم, بله النجاة .. فهو رمز للهرولة التي يجب أن يعيش فيها كلٌ منا إلى لحظة وفاته - إذ الكسل والدعة والتواكل ليست من صفات المسلم الحق- ملتمساً من الله - طيلة حياته- العون والتأييد, والرضوان والغفران.

3- إن السعيَ بين الصفا والمروة سعيٌ بين نقطتين محددتين؛ وهذا يرشدنا إلى (تأطير) و(تقصيد) و(ضبط) و(تنظيم) مسعانا في حياتنا الدنيا؛ بأن نجعل له (إطاراً) و(قصداً) و(خطةً), وإلا فستنفلت الأمور, ويموج بعضنا في بعض؛ فيخيب مسعانا.
 
 
رابعاً: من أسرار الوقوف بعرفة

1- إن الوقوف بعرفة وسيلة مادية للتخلص من الشواغل الدنيوية, ولتفريغ القلب لذكر خالقه, ولإيقاظ الحواس على حقيقة القرب القريب لله - جل جلاله- .. ومن هنا كانت كلمة "عرفة"؛ فبعد رحلة من ألوف الأميال يتيقظ القلب على (معرفة)؛ فهو (يتعرف) على ربه و(يكتشف) قربه, كما (يتعرف) على نفسه و(يكتشف) بعدها عنه تعالى.

2- والوقوف بعرفة بعد السعي : بذلٌ للمهج في الضراعة إلى الله - بقلوب مملوءة بالخشية, وأيد مرفوعة بالدعاء, وألسنة مشغولة بالدعاء, وروح تحسن الظن ببارئها- ألا يخيب سعينا, وأن يبارك أعمالنا, وأن يجزينا عن حسن الأفعال بالحسنات, وأن يغفر لنا الذنوب ويتجاوز عن الزلات؛ إذ لا ملجأ منه إلا إليه.

3- والوقوف بـ (عرفة) فرصة لـ (التعارف) والتقارب والتفاهم والتشاور والتعاون وإنشاء الصلات الجديدة –المظللة بالمحبة والإخاء- بين المسلمين على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وأقطارهم وطبقاتهم وقدراتهم وأذواقهم.

4- وهو - بالإضافة إلى ذلك كله- رمزُ للوحدة بين المسلمين؛ إذ هو تجمعٌ في مكانٍ واحد, وفي وقتٍ واحد, وبملبس واحد: إلى قبلةٍ واحدة وهدفٍ واحد .. يتلقون فيه من الله، ويتجهون إليه، ويسيرون بأمره - فحضورهم بأمره، وأفعالهم بأمره، وانصرافهم بأمره-.

5- والمشهد يوم عرفة, حين ترى الحجاج في ثيابهم البيض, وفي موقفهم المزدحم العظيم, تحس أنهم أشبه بالناس في ساحة العرض الأكبر, يوم يخرجون من الأجداث إلى ربهم ينسلون .. إنه (تجسيد مصغر) لمشهد الحشر والوقوف بين يدي الله يوم القيامة .. يا له من موقف رهيب, ومشهد مهيب, تعجز الكلمات عن الإحاطة به, بله اكتناه أسراره !!
 
أمارمي الجمار، فحاشا أن يكون عملا "أسطوريا وثنيا"، بل هو يرمز  إلى مقت واحتقار عوامل الشر ووسواس النفس ونزغات الشيطان .. إنه رمز مادي لصدق العزيمة في طرد الشرور ومطاردتها حتى إزهاقها.
 
خامساًوختاما : أبعاد فلسفة المكان ورسالته الخالدة

إننا بحاجة إلى أن نعي ونفقه (أبعاد فلسفة الأماكن) التي نؤدي فيها مناسك الحج؛ حتى نبتعد قدر الإمكان عن شَرَكِ (الشكلية في العبادة)؛ حتى تعود (الحياة الحقة) لمناسك الحج وشعائره؛ إذ مناسك الحج تبتغي تقوى القلوب [الحج:32]، فحرام أن نختزلها في الحركات والسكنات, و أن نغرق مقاصدها الروحية السامية في التفريعات والجزئيات !!

1- نحن بحاجة إلى أن يتذكر الحاج - وهو يطوف حول الكعبة- ما هو أكثر من مجرد الطواف والدوران؛ إذ حول الكعبة نزلت كلمات الله على خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم .. وبهذه الكلمات تمت في مدرسة النبوة إعادة صياغة أهل الجاهلية - أسرى العصبية وعبدة الأوثان- حتى غدو الجيل الفريد الذي غير مجرى الدنيا والحضارة, وأمسك بدفة التاريخ.

2- ونحن بحاجة - كذلك- إلى أن يتذكر الحاج, وهو ذاهب ليرمي جمرة العقبة, ما هو أكثر من رمي الجمرات .. إذ في العقبة عقدت (الجمعية التأسيسية للدولة الإسلامية) .. تلك الدولة التي غيرت الواقع, وحولت مسار التاريخ, وجعلت المستضعفين في الأرض: الأئمةَ والوارثين لمواريث النبوات والحضارات .. وذلك عندما بايع الأنصار رسول الله (ص) على إقامة الدولة, بعد أن سبق لهم بيعته على إقامة الدين .. فولدت في العقبة الدولة التي حرست الدين, والتي ساست الاجتماع والعمران بشريعة هذا الدين.
2/2- ونحن بحاجة - كذلك- إلى أن يتذكر الحاج –وهو بالعقبة أيضاً- أن رسول الله (ص) قد أسس الدولة الإسلامية الأولى على (البيعة والشورى والاختيار) لا على (الاستبداد والتزوير والإجبار) .. وذلك عندما هم الأنصار بمبايعته على إقامة الدولة, فرغب إليهم أن تتم البيعة بواسطة (مؤسسة دستورية) تنشأ بالاختيار والانتخاب, فقال لهم (ص): "اختاروا منكم اثني عشر نقيباً" .. فولدت بذلك أولى المؤسسات الدستورية في الدولة الإسلامية .. فمن العقبة - يا من ترمي الجمرات- بدأ تراث أمتنا في المؤسسات الدستورية القائمة على الشورى والاختيار والانتخاب، وبمشاركة الرجال والنساء, قبل أن تعرف الأمم والحضارات لها تراثاُ في هذه المؤسسات.

3- ونحن بحاجة - كذلك- إلى أن يتذكر الحاج - وهو واقف بعرفة- ما هو أكثر من مجرد الوقوف والدعاء.. إذ في هذا المكان كانت حجة الوداع والبلاغ, تلك الحجة التي كانت مؤتمراً جامعاً قرر فيه (ص) (الحقوق المدنية الإسلامية) .. وذلك في خطبة الوداع الشهيرة، تلك الخطبة التي مثلت - بحق- (وثيقة الحقوق المدنية الإنسانية) التي شرعها الإسلام للإنسان