قراءة في علامات التواصل بين موريتانيا وتونس

بقلم : محمّد البـدوي

نائب رئيس اتحاد الكتّاب التونسيين

 

   إنّ هاجس الكتابة كثيرا ما يستبدّ  بنا في مراحل متقدّمة من العمر فتحملنا الأحلام إلى أننا سنحقق وجودنا عبر فعل الكتابة وقد نستسهل الأمر فنؤلّف كتبا كثيرة وننشرها ونحن منساقون مع أحلام اليقظة. وكثيرا ما تتحطّم هذه الأحلام على صخرة الواقع حين تأخذنا ظروف العمل والالتزامات المهنية فتتأجّل المشاريع الكبرى عاما فعاما حتّى نفيق في مرحلة من العمر ونحن زاهدون فيما كان أساسيا ومصيريا . وقد تلهينا أعباء الحياة وبعض الالتزامات  المتأكّدة عن كلّ ما هو  شعر. وقد تتغيّر المواقف ويصبح الواحد منّا أكثر رصانة وتعقّلا فنعيد النظر في ما كانت تحملنا إليه حماسة الشباب.

جالت هذه الأفكار بذهني وأنا أطالع بلهفة كبرى كتابا للصديق الأستاذ عبد الرحمان بلحاج علي سفير تونس بنواكشوط  "في علامات التواصل بين موريتانيا وتونس" - مع تجديد التحيّة للصديق الرسام الهادي الزاوية الذي وفّر لي فرصة الاطلاع على هذا الكتاب-  مع كتاب آخر لنفس المؤلف وهو تحقيق مخطوط موريتاني "حسام العدل والإنصاف القاطع لكلّ مبتدع باتّباع الأعراف" للشيخ محمد يحيى بن محمد المختار بن الطالب عبد الله الولاتي. (ت.1912)

 

كانت فرحتي بالكتابين عظيمة لأنّي استعدت من خلالهما أحد الأصدقاء القدامى في ستينات القرن الماضي بالمعهد الثانوي للذكور بالمنستير- وإن كان يسبقني بسنة دراسية- وكانت قضايا الأدب تشغلنا وتملأ أوقات راحتنا وتسكن أفق تطلّعنا. وما زلت أستعيد بكثير من الحميمية ذكرياتنا والصديق عبد الرحمان يقرأ عددا من قصائده المسكونة بحماسة الشباب في ممرّات المعهد الطويلة في أوقات الراحة بالمبيت. غير أنّ ظروف العمل وتعدّد الالتزامات  بجليل الأمور شغلت صديقنا عن الكتابة. ولكن روح الإبداع الساكنة في أعماقه لم تنقطع، وحين وجدَت الفرصة للتألق كان لا بدّ من مثل هذه الدراسات العلمية الجادة التي تنخرط في صميم العمل الديبلوماسي الذي يساهم في تمتين أواصر الأخوّة والتقارب بين الشعبين التونسي والموريتاني. إنّ الكتابين الذين أصدرهما المؤلف عملان جليلان يترجمان جهدا كبيرا وتدقيقا علميا ومتابعة مضنية لكثير من التفاصيل والجزئيات . وليس غريبا أن يكون مثل هذا العمل تحقّق على حساب أوقات الراحة.   

لا يمكنني أن أخفي كبير فرحتي بهذا الإنجاز العلمي والأدبي ولا عظيم الفائدة التي حصلت لي من قراءتهما . وسأتوقّف عند الكتاب الأول وقد  صدر عن دار الميزان بحمّام سوسة(تونس) في طبعة أنيقة  وجاء في أربعة أبواب هي :

1-في علامات التواصل بين موريتانيا  وتونس : وتحدّث فيه الكاتب عن عراقة هذا التواصل متدرّجا من العصور القديمة حتّى العصر الحديث، فتحدّث عن الملاح القرطاجنّي هانون ورحلاته الاستكشافية غرب إفريقيا منذ القرن الخامس قبل الميلاد، وأثبتت الحفريات وجود قطعة نقدية قرطاجية محفوظة بالمتحف الوطني بنواكشوط. وتواصلت العلاقات مع إشعاع الإسلام على الصحراء انطلاقا من القيروان وانتشار "الرسالة الفقهية" لابن أبي زيد القيرواني  في بلاد شنقيط وزيارة الأمير الصنهاجي يحيى بن إبراهيم الكدالي إلى القيروان ونشأة حركة المرابطين. إضافة لإلى زيارات أخرى لاحقة لأحمد بن طوير الجنّة والفقيه محمد بن يحي بن المختار الولاتي إلى تونس ، وقد توّجت علاقات التواصل بمنح وسام الافتخار لمحضرة يحظيه بن عبد الودود. إضافة إلى المؤلفات الموريتانية المطبوعة والمنشورة في تونس.

2-تونس في "الرحلة الحجازية " للفقيه الحافظ محمد يحيى بن المختار الولاتي : وفي هذا الباب تفصيل للمحطة التونسية من هذه الرحلة وما كان فيها من تواصل بين الفقيه وأعلام تونس وفقهائها في القرن التاسع عشر للميلاد ترجمه عدد الهدايا والكتب التي تحصل عليها الشيخ محبّة وتقديرا جسّمته قصيدة الشريف عمر بن سيدي أبو بكر(1840-1898) التي مدح فيها الفقيه الولاتي. ومثّلت "الرحلة الحجازية وثيقة هامّة عن الأوضاع في تونس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

3-ممالك الصحراء(موريتانيا) في كتاب "صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار " للمؤرخ التونسي محمد بيرم الخامس(1840-1898). وفي هذا الباب تتبّ لما جاء من تفاصيل عن ممالك الصحراء وخصوصا بلاد شنقيط في رحلة بيرم الخامس. فكأنّ  هذه الرحلة تقابل "الرحلة الحجازية" للفقيه الولاتي وهي شهادة جديدة على عمق التواصل واستمراره في الاتجاهين عبر مختلف المراحل التاريخية. وقد توّجت هذه العلاقة بأن كانت تونس "أوّل بلد يعترف بالجمهورية الموريتانية الفتية إبان استقلالها".

4-قصائد شنقيطية : قام هذا الباب الختامي على ثلاث قصائد شنقيطية من تأليف سعادة السفير عبدالرحمان بلحاج علي من وحي إقامته في تلك الربوع الجميلة، وهي مسكونة بكثير من الإعجاب والمحبّة والتقدير لهذا البلد الشقيق.  

وما أجمل أن يعود المؤلف إلى سالف عهده بمثل هذه التجارب الشعرية ونرجو أن تتدعّم وتثمر في قادم الأيام مجموعات متنوّعة الأغراض.

وإذا كان هذا الكتاب أوّل الغيث فقد تأكّد بعمل علمي ينتمي إلى مجال التحقيق قام به المؤلف من خلال تحقيق وتقديم مخطوطة الشيخ محمد يحي بن محمد المختار بن الطالب عبد الله الولاتي (ت. 1912م) وعنوانه "حسام العدل والإنصاف القاطع لكلّ مبتدع باتباع الأعراف"

إنّ كتاب "في علامات التواصل بين موريتانيا وتونس" وثيقة تاريخية ودراسة علمية موثّقة ستكون مفيدة لكلّ الباحثين في هذا الموضوع وهي تبرز عراقة الصلة بين مختلف بلداننا العربية وإن تباعدت المسافات. وإذا كانت هذه العلاقة عميقة بهذا الشكل زمن السفر على الإبل والدواب، فأولى بها أن تتأكّد وتقوى في هذا الزمن الذي قرّب المسافات وألف بين الشعوب.

 ومما لا شكّ فيه أنّ ما ذكره المؤلف من دراسة عديد الطلبة الموريتانيين في تونس، وإقبال العديد من التونسيين اليوم على الدراسة بموريتانيا تساهم في تعميق هذه الأواصر. وليس غريبا أن تدخل صيدلية لاقتناء دواء فتطالعك اللافتة لتفيد بأنّ هذا صاحبها متخرّج من كلّية الصيدلة بالمنستير (تونس).

إنّ نشر هذا الكتاب وشقيقه "حسام العدل والإنصاف..." في تونس وانتشارهما في بلادنا وفي غيرها من البلدان أكثر من ملحّ لأنّه يخدم غاية علمية نبيلة وغاية ديبلوماسية نرجو أن ينسج على منوالها كلّ من تتاح لهم فرص العمل في البلدان الشقيقة والصديقة لإبراز مدى الحضور التونسي في العالم وقيمته ودوره في تحقيق التآخي والتعاون بين الشعوب.